محمد جليد يكتب: المصالحة المغاربية؟!

محمد جليد محمد جليد

.

قبل بضعة أيام، كتب الكاتب والصحافي التونسي نزار بولحية، في مقالة نشرتها جريدة «القدس العربي»، يتساءل عما إذا كانت المصالحة المغاربية أصعب من المصالحة الخليجية التي تحققت مطلع السنة الجارية بعقد اتفاق العلا بين قطر والسعودية. قد يبدو الأمر كذلك بالنظر إلى تشابه الظروف التاريخية الراهنة بين المنطقتين المغاربية والخليجية، اللتين تشهدان حربين طاحنتين؛ إحداهما داخل الحدود اليمنية، فيما تدور رحى الثانية بين مدن ليبيا وقبائلها، كما تتشابه معطيات الحصار الخليجي وجمود العلاقات بين الدول المغاربية إلى حد كبير، بما يعنيه ذلك من تفويت لفرص المبادلات التجارية والاقتصادية، الخ.

هل المصالحة المغاربية أصعب من نظيرتها الخليجية؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه الصحافي التونسي على قراء «القدس العربي»، وعلى المسؤولين السياسيين المغاربيين كذلك. لا تبدو المسألة أصعب في الوقت الحالي، بالنظر إلى أن المنطقة المغاربية لا تخضع لضغوط دولية كبيرة، خاصة من الجانبين الأمريكي والروسي، مثلما هو حال المنطقة الخليجية اليوم. صحيح أن النزاع المسلح الدائر في ليبيا -منذ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي سنة 2011- تغذيه الأطماع الفرنسية والتركية والروسية والأمريكية، لكن يبدو، بعدما خفت حدة الصراع، أنه يسير إلى نهايته المرجوة؛ أي المصالحة بين الإخوة الأعداء.

لا تبدو المسألة أصعب من زاوية أخرى، إذ يكفي أن نشير هنا إلى أن النجاح الكبير الذي كانت وراءه أطراف مغاربية -منها المغرب وتونس على الخصوص- يتمثل أساسا في قدرتها على تقريب وجهات النظر المختلفة والمتباينة بين الأطراف الليبية المتنازعة. وإذا أجرينا مقارنة بسيطة بين الحربين الدائرتين في ليبيا واليمن، فيمكن القول بكل وضوح إن الحرب في البلد الأول آخذة في وضع أوزارها بفضل هذه الجهود المغاربية (وجهود دولية أخرى طبعا)، فيما لم تفلح الوساطات الكويتية والعُمانية والأردنية، وحتى الجهود الدولية الأخرى -إلى اليوم- في دفع الأطراف المتنازعة في اليمن إلى الجلوس إلى طاولة الحوار والتفاوض. بل قد يزيد الوضع سوءا، بعدما لوحت الإدارة الأمريكية، التي فقدت البوصلة هذه الأيام، بإدراج جماعة الحوثيين اليمنية على لائحة المنظمات والجماعات الإرهابية.

من جانب آخر، ثمة مجتمع سياسي ومدني مغاربي فاعل ونشيط ومتحمس للمصالحة المغاربية. إذ مافتئ الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي يدعو إلى توحيد البلدان المغاربية في تكتل سياسي واقتصادي موسع. تشاطره هذا الرأي والفكرة مجموعة من الأحزاب والمنظمات المدنية في كل البلدان المغاربية. فعلى سبيل المثال، كشفت جمعيتان تونسية ومغربية، هما جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي بتونس ومركز الأبحاث والدراسات مدى بالمغرب، «مبادرة مغاربية» تطالب بوقف التصعيد بين المغرب والجزائر، وتدعو إلى الحوار والمصالحة، وهي تحمل توقيع عدد من الوزراء والنواب البرلمانيين والمستشارين والأساتذة الجامعيين والفاعلين المدنيين…

تجيب «المبادرة المغاربية» التي تقترحها الأطراف المذكورة عن بعض الجوانب التي يتضمنها سؤال الكاتب التونسي نزار بولحية. إذ تدعو إلى وقف الحملات الإعلامية المغرضة والحاثة على تأجيج الخلافات، واعتماد الحوار سبيلا وحيدا لحل الخلافات، وعقد قمة مصالحة مغاربية بين قادة الدول المغاربية، وتكريس السلم بين الأشقاء الليبيين، وتغليب صوت العقل في العلاقات بين المغرب والجزائر، وتفعيل ميثاق مؤسسة الاتحاد المغاربي، وأخيرا تشكيل مجلس حكماء مغاربيين تكون مهمتهم الفصل في الخلافات وتسوية النزاعات.

لا بد هنا من الإشارة إلى أن هذه المبادرة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة حتما، في مسار دينامي من المبادرات والاقتراحات السياسية والمدنية الرامية إلى تحقيق الوحدة بين الدول الخمس التي تتحقق فيها كل الشروط الكفيلة بجعلها كيانا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا مستقلا وقويا. ثمة مطلب مهم يلفت الانتباه في هذا المسار، خاصة في جانبه المدني والاجتماعي، يتمثل في أنه كلما خرجت الشعوب إلى الشارع، طالبت بهذه الوحدة. حصل هذا في ثورة الياسمين التونسية، ثم تكرر بعدها في حراك 20 فبراير المغربي، وتجلى في أنصع صوره في «الربيع» الجزائري الأخير. لا يعني هذا المطلب سوى شيء واحد، لا أقل ولا أكثر؛ هو فتح الحدود المغلقة، لكنه يعني، كذلك، أن المصالحة المغاربية متحققة بين الشعوب، لكنها متعثرة بين قادة الدول ورؤسائها. وهنا تكمن تفاصيل الإجابة عن السؤال: هل المصالحة المغاربية أصعب من نظيرتها الخليجية؟