محمد حفيظ: هناك إرادة واضحة لإقرار سيادة الصمت- حوار

محمد حفيظ محمد حفيظ

.

عرفت 2020 عودة النقاش بقوة حول واقع حرية الصحافة والتعبير. ما تقييمك للوضعية؟

– يبدو أن جائحة كورونا لم تكشف فقط هشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي ببلادنا، وهو ما عاينه المغاربة جميعا وما عاناه أكثر من ثلثهم، ولم يكن بإمكان أي مسؤول كيفما كان موقعه أن يخفيه، بل إنها عمقت أزمة وضع الحريات والحقوق. 2020 لم تكن فقط سنة أزمة صحية واقتصادية واجتماعية، بل كانت أيضا سنة التراجعات في مجال الحريات والحقوق، وضمنها حرية الصحافة والتعبير.عند بداية الجائحة، وبعد إعلان حالة الطوارئ، كنا نتخوف من أن تُستغل هذه الأزمة والطوارئ المرافقة لها للحد من الحريات. ومع الأسف، هذا ما حصل. لقد كنا نحصي حالات الإصابة بفيروس كورونا وحالات الوفيات، وإلى جانب ذلك فرض علينا أن نحصي حالات التضييق على الحريات والحقوق، والتي تحدثت عنها الجمعيات الحقوقية في حينه، ولم تسلم الصحافة من ذلك، فتابعنا اعتقال الصحافيين سليمان الريسوني وعمر الراضي. وفي الواقع، فإن ما حصل سنة 2020 لم يكن إلا تتويجا لما بدأ منذ سنوات. فمساحة حرية الصحافة ببلادنا آخذة منذ سنوات في التقلص والانكماش. حينما أقارن، مثلا، بين ما كانت عليه هذه المساحة منذ منتصف العقد الأخير من القرن الـ20 وطيلة العقد الأول من القرن الـ21، وبين ما أصبحت عليه في السنوات الأخيرة، أتأسف على ما تخسره بلادنا في هذا الحقل الذي يعتبر المرآة التي تعكس صورة بلادنا في مختلف المجالات، وليس فقط في مجال الحريات والحقوق.

والمؤسف أن تضييق هذه المساحة لا يقف وراءه فقط خصوم الصحافة، أينما كانوا وكيفما كانوا، في السلطة أو في غيرها، بل أيضا بعض من ينتسبون إليها.

بدأ العام الجديد بقضية أخرى، وهي اعتقال الحقوقي والمؤرخ معطي منجب يومين قبل رأس السنة الجديدة، كيف تلقيت الخبر؟ وماذا يعني لك ذلك بصفتك سياسيا وصحافيا وأكاديميا؟

بل انتهت سنة 2020 بهذا الاعتقال، كما لو أنه جاء ليكرسها سنة كل الأزمات. مع الأسف، أنهينا عاما وبدأنا آخر بهذه القضية التي أتمنى أن تنتهي بسرعة. لذلك، فقد تلقيت خبر اعتقال الأستاذ منجب بقلق كبير، لأنه يكشف هيمنة توجه خطير نحو استئصال أي رأي مخالف، حتى لو وصل الأمر إلى اضطهاد صاحبه. الأستاذ المعطي منجب باحث أكاديمي في حقل التاريخ، ومدافع عن حقوق الإنسان، وقريب من مجال الصحافة بحرصه على تتبع الأحداث الوطنية والدولية، والتفاعل معها بتصريحات للصحافة وبمقالات للصحف تتميز بالنقد الصريح لأوضاع البلاد وللمسؤولين الحقيقيين عن تدبير شؤونها ومالكي السلطة الفعلية. لذلك، لا يمكنني أن أعزل اعتقاله عن نشاطه الأكاديمي والحقوقي والصحافي، مهما كانت التهم الموجهة إليه لتبرير اعتقاله. ويكفي أن نستحضر أن اعتقاله جاء تتويجا للتضييق الذي ظل يتعرض له منذ سنوات، ولحملة التشهير المنظمة التي استُهدف بها منذ خمس سنوات، والانتقال من تهمة المساس بأمن الدولة، إلى تهمة غسيل الأموال، لكي نضع قضيته في سياقها الحقيقي، وهو قمع حرية التعبير. وفي النهاية، إذا كان هناك إصرار على اعتقال منجب وتقييد حريته، فإن بلادنا ستكون هي الخاسر الأكبر وليس شخص منجب. فمن كانوا يراهنون على تشويه سمعته، فهم، في الحقيقة، يشوهون سمعة البلاد. ومن يراهنون على منعه من التعبير عن آرائه ومواقفه بكل حرية، فإن الحرية هي التي ستنتصر في الأخير. وكما قلت في تدوينة لي على الفايسبوك أهنئ فيها الصديق منجب بقدوم السنة الجديدة، فإن دروس التاريخ تعلمنا أن الحقوق والحريات هي التي تنتصر في اللحظات المفصلية من تاريخ المجتمعات والشعوب.

أصبحت الكثير من الأصوات، ومنها جمعيات حقوقية، تلفت النظر إلى التشهير. هل هو أسلوب جديد فعلا في الضبط، كما يقول بعض الحقوقيين؟

أولا، أريد أن أقول إنني لا أقلق كثيرا على المناضلين، ومنهم الحقوقيون، فهم مسلحون باستعداد فكري ونفسي لمجابهة أي نوع من الاعتداء، بما فيه التشهير، لذلك، لا ينال منهم هذا التشهير كثيرا. ما يقلقني أكثر من ضحايا التشهير أمران؛ الأول هو: هل تقف وراء حملات التشهير هذه أجهزة موجودة أصلا لحماية أمن المواطنات والمواطنين، وصد كل أشكال الاعتداء عليهم؟ إذا كان الأمر كذلك، فإنه سيكون مصدرا خطيرا للخراب الكبير. وأخطر ما يمكن أن تتعرض له أي دولة هو الخراب. وأستحضر هنا مقولة مؤرخنا الكبير ابن خلدون التي جعلها عنوانا لأحد فصول مقدمته الشهيرة: «الظلم مؤذن بخراب العمران». والأمر الثاني هو أن يجد هذا التشهير ميدانا فسيحا في وسائل تنتسب إلى الصحافة، وأن ينفذه منتسبون إلى هذه المهنة التي وُجدت لحماية الحقوق والحريات، بل هي نفسها حق من حقوق الإنسان، فنحن نتحدث عن الحق في الإعلام. هذا يؤلمني أكثر لأنني قضيت جزءا من حياتي في هذه المهنة. يحزنني كثيرا أن يمارَس التشهير باسم مهنة هي بريئة منه، ومن لدن من ينتسبون إليها. الصحافيون هم حماة حرية الرأي والتعبير. والصحافي هو من يحمي قلمه من أي متربص به، في الرخاء كما في الشدة.

فحينما تُستهدف الصحافة بالتضييق أو بالاحتواء، ويستهدف الحقوقيون والأكاديميون بالتشهير أو بالاعتقال، فإن هناك إرادة واضحة لأن يسود الصمت والسكوت، فيما الأمر يتعلق بسلطتين رمزيتين لا قيمة لهما إذا فقدتا سلاحهما، وهو سلاح التعبير.

أدانت هيومن رايتس ووتش في تغريدة لها اعتقال معطي منجب، وشبهت ما يقع في المغرب بما كان يجري في زمن بنعلي في تونس وأسلوب تشويه المعارضين في عهده. كيف تنظر إلى هذه المقارنة؟

المقارنة التي تثير انتباهي بهذا الخصوص هي بين مغرب اليوم ومغرب الأمس. ففي عز سنوات الرصاص، لم يكن الهاجس هو تشويه المعارضين، باستهداف حياتهم الخاصة والتلصص على غرف نومهم في الإقامات أو الفنادق، أو التقاط صور لهم في هذا المطعم أو ذلك المرقص، فلم يكن ذلك شأنا عموميا يعرض على موائد الناس للتنقيص من الآراء أو المواقف التي يعبر عنها هؤلاء، بل كانوا يواجَهون مباشرة بالأشكال القمعية المعروفة التي تحدثت عنها تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة، وروتها شهادات من تبقوا من الضحايا.

لم ينجح هذا الأسلوب في نظام بنعلي ولا في غيره من الأنظمة، ولو كان الأمر كذلك، لما كانت نهاية بنعلي بذلك الشكل الذي تابعه العالم. وهذا مصير أي نظام بوليسي. لماذا؟ لأنه ببساطة من الأساليب التي تبعث على النفور، وتولد لدى الناس حساسية مفرطة إزاءها وإزاء من يستعملها. فحين يفطن الناس إلى ذلك، سينقلب هذا الأسلوب على أصحابه. فللحياة الخاصة حرمة لدى الإنسان، وهو بطبعه وفطرته يرفض انتهاكها ويستهجن من يقوم بذلك.

لذلك، كانت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان قد دعت إلى حماية الحق في حرمة الحياة الخاصة، كما ورد في المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي نصت على عدم تعريض أي شخص لأي حملات تمس شرفه أو سمعته، وحملت سلطات الدولة مسؤولية وواجب حماية هذا الحق.

محمد حفيظ/ *أستاذ جامعي ونائب الأمنية العامة للحزب الاشتراكي الموحد