يونس مسكين يكتب: عام بلا معالم

يونس مسكين يونس مسكين

.

كما لو كان الكون نفسه يتعمد دخول السنة الجديدة بحذر، ندخل اليوم الاثنين أول يوم عمل في العام 2021 بعد ثلاثة أيام أولى كانت كلها عطلة. كيف لا ونحن نعيش أصعب انتقال من سنة إلى أخرى منذ عقود، إن لم يكن منذ قرون. لم يسبق للأجيال البشرية الموجودة فوق الأرض حاليا أن عاشت دخولا مشوبا بالخوف والحذر كما نفعل الآن. فجّرنا منذ ليلة الخميس الماضي أقصى ما نملك من سخرية واصطناع للفرح والتفاؤل، لكننا في حقيقة الأمر خائفون. لا نعرف، حقيقة، هل سنترك الجائحة هناك وراء ظهورنا في العام 2020، أم إنها ستعبر معنا إلى العام الجديد لتكبر وتتناسل. لا نعرف هل سنخرج أكثر نضجا وتعقلا ونزوعا إلى السلم والتسامح والتعايش، أم إن ما جرى في العام الماضي لم يكن سوى مقدمة للأسوأ.

وأنا أفتتح العام الجديد بقراءة كتاب الأديب والمؤرخ حسن أوريد، «عالم بلا معالم»، لا أعرف لماذا وجدتني لاشعوريا أقفز على لام الكلمة الأولى وأقرؤه «عام بلا عوالم». وما إن فتحت الكتاب وشرعت في قراءته حتى وجدته، بالفعل، يرسم لوحة عامنا الجديد بشكل يجعله بالفعل بلا معالم.

تكمن قوة الكتاب في أنه، وهو يصدر عن أكاديمي يحرص بطبعه وبحكم تخصصه على النفاذ إلى جوهر الأحداث والظواهر، يتخلى عن «الجبن» الذي يصوّره الأدباء والأكاديميون عادة في شكل حرص على أخذ ما يكفي من المسافة (le recul) قبل التطرق إلى الأحداث بالتفسير والتحليل، ويحدّث القارئ في أكثر من 300 صفحة عن جل التفاعلات المحيطة بنا، لينتج المعنى الذي صاغه في عنوان الكتاب؛ عالم بلا معالم، ويكون صدوره في بداية هذا العام الجديد رخصة لإسقاط هذا العنوان على الزمن، وجعله مقدمة نحو عام بلا معالم.

عكس الأعمال الأدبية ونصوص الخيال التي توظف الكثير من الإيحاء والترميز، وهو ما يجيده حسن أوريد أيضا، يكثّف الكتاب جلّ ما نعيشه من تحولات كونية، بدءا من المخاض الذي تعيشه الأمة التي تصنع مصائر البشر منذ أكثر من قرن على الأقل. أمريكا التي غادرت سريعا حقبة الرومانسية التي تلت سقوط جدار برلين، وما اعتقد الجميع أنها نذرت نفسها له من مهام رعاية الفضيلة وحماية المعمور من كل الشرور، حين تهاوت أبراجها الشاهقة في نيويورك في 11 شتنبر 2001، تدخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها أمريكا وبعدها الطوفان. صحيح أن ترامب خسر الانتخابات، وسيضطر، وإن بصعوبة كبيرة، إلى مغادرة البيت الأبيض خلال أسابيع، إلا أن الترامبية ستظل حاضرة، ليس كسلوك شخصي أرعن، بل كانعطافة تاريخية تنقل أمريكا من رعاية العالم إلى الاحتماء منه.

في مقابل القوى العظمى الخائفة من زوال نفوذها وهيمنتها على العالم، نستقبل العام الجديد بخروج المارد الصيني من قمقمه ليشاغب العملاق الأمريكي في لعبة القط والفأر التي ستدور، دون أدنى شك، فوق رؤوس أمم العالم الأخرى، بجبهات تكنولوجية وبيولوجية وفضائية جديدة قد تطوّح بنا في جوائح وأزمات جديدة.

يستيقظ التنين الصيني لأنه احتفى بتنظيم أكبر مسابقة رياضية في العام، تزامنا مع دخول العالم الغربي أزمته المالية الكبرى عام 2008. ومتصدرة ثلاثيا يخرج بقوة إلى العالم، يضمها إلى جانب الهند والبرازيل، تراود الصين العالم مسلحة بجيش من الوسطاء المنبثين في الأحياء الصينية والطلبة ورجال الأعمال المنتشرين عبر العالم.

تروم هذه القوة العظمى تجنب أخطاء سابقيها الذين تصدروا المشهد الدولي في القرن الماضي، ألمانيا واليابان بخياراتهما العنيفة والدموية، وأمريكا والاتحاد السوفياتي بركونهما إلى لعبة الحرب الباردة. الصين آتية اليوم لإنجاز «النهوض السلمي» ودمقرطة العلاقات الدولية. لكن هذا الغرب، الآخذ في الانسلاخ عن قيمه الديمقراطية-المسيحية، لن يسلّم لها القيادة إلا على أسنّة الرماح، والخيار الوحيد المتاح هو بين الاصطدام العنيف وبين الحرب الباردة الجديدة. ومهما بدت الحرب مستبعدة لأسباب عقلانية عديدة، فإن التاريخ ينبئ عن حروب نشبت لأسباب لاعقلانية.

عملاق آخر، هو الدب الروسي، قلب الطاولة على السيطرة الغربية منذ ظهور إرهاصات الأزمة المالية العالمية لـ2008، ومنذ مؤتمر ميونيخ حول قضايا الأمن في العام لسنة 2007، بات الجميع على علم بأن روسيا ترفض التسليم بمصير ألمانيا إثر هزيمتها في الحرب العالمية الثانية. روسيا اليوم، وإن كانت دون قوة الصين التجارية والاقتصادية، تبحث عن موطئ قدم لها في جل أنحاء العالم. سلوك الغرب المائل إلى الهيمنة والتصرف مع روسيا ما بعد الحرب الباردة كما لو كانت قطعة جديدة في المنظومة القائمة، وشروعه في توسيع حلف شمال الأطلسي، كلها خطوات أخرجت روسيا بوتين بوجهها القيصري، وهو نذير آخر بحروب واضطرابات جديدة.

قلب العالم القديم ومهد الحضارة الغربية المسيطرة، القارة الأوربية، آخذة في التفكك والانشطار. باتت بريطانيا رسميا خارج مسار الوحدة الأوربية، والبقية الباقية تئن تحت وقع التحوّل الأمريكي من نشر القوة والسلم والتماسك إلى رفع شعار أمريكا أولا، وما يخترق الجسم الأوربي من تيارات شعبوية متطرفة ترفض كل ما بنيت عليه أوربا الحالية، من وحدة وانفتاح على الهجرة وقبول بالتعددية والتسامح مع الاختلاف…

بين الشرق الصاعد والغرب الآفل، ستدور جلّ المعارك المقبلة فوق أراضي دول الشرق الأوسط، وغير خاف أن الشمال الإفريقي كثيرا ما يناله من حظ المشرق العربي نصيب. يقتبس حسن أوريد في كتابه من صحيفة «فاينانشال تايمز» قولها عام 2014 إن الحرب العالمية الثانية انتهت، فيما الحرب العالمية الأولى مستمرة. مازالت تبعات سايكس بيكو وتفكيك الإمبراطورية العثمانية تنتظر هذه الرقعة من العالم. هنا كانت بؤرة التوترات العالمية الكبرى، وهنا ستبقى إلى حين. بين إيران الآخذة في مناوشة أمريكا هذه الأيام، و«العثمانية الجديدة» لتركيا بتعبير كتاب «عالم بلا معالم»، وإسرائيل الفرحة بعناقها الحار مع القوى المحافظة (سياسيا) في المنطقة العربية؛ تبدو لعنة سيزيف جاثمة على أنفاس المنطقة.

يستشهد حسن أوريد بوصف أطلقه الصحافي اللبناني سمير قصير على العالم العربي، حين تحدث عن لعنة الجغرافيا. الضفة لجنوبية للمتوسط تبدو كذلك النصف الفارغ من الساعة الرملية، فيما نصفها الآخر في أوربا. وحين تمتزج الجغرافيا بالتاريخ سنجد هذا المحرك المسيحي للحضارة الأوربية، رغم ظاهر بعضها العلماني، وهو المحرك الذي يوجّه طاقته بالكامل لتفكيك الرابط الإسلامي، ومنع حلم الوحدة من التحقق في منطقة ألف الغرب أن يحضر فيها لبلوغ مراده في الشرق الآسيوي، ومنع قوى هذا الأخير من الاقتراب من مجاله الحيوي.

حين نضيف إلى كل ذلك ما يختتم به حسن أوريد كتابه من فصول حول «الكساد الديمقراطي» الذي يصيب المعاقل التاريخية لفكرة الديمقراطية، أي حصونها التاريخية في الديمقراطيات الغربية، وبداية بروز خيارات جديدة تقوم على الليبرالية اللاديمقراطية حينا والشعبوية في آخر، ووأد الثورات المضادة ما نفخه الربيع العربي من روح في رحم الديمقراطية العربية، وصعود موجة ما يسميه أوريد بالديكتاتورية الرقمية، وما توفّره للأنظمة الاستبدادية من إمكانات هائلة للتجسس والمراقبة؛ فإننا، ودون أدنى تردد، مقبلون على عام بلا معالم.