خالد البكاري يكتب: المشجب اليهودي 

خالد البكاري خالد البكاري

.

يشبه اليهودي من أصل مغربي في الدفوعات المبررة للتطبيع ذلك المشجب الذي نعلق عليه الملابس التي نريد التخفف منها بعد ولوجنا البيت.

وفي كل خطوة في اتجاه إسرائيل نخرج ورقة واجب تجسير المسافة مع «الجالية اليهودية المغربية»، كما نخرج ورقة «باب المغاربة» بالقدس للقول إن لنا سابقة في تحرير فلسطين تمتد إلى زمن الحروب الصليبية.

نحن ندعم الفلسطينيين في نضالهم من أجل حقوقهم التاريخية، في مواجهة مشروع استيطاني استعماري، أحد أطرافه يهود كانوا يعيشون بين ظهرانينا، ولهم منا كل الحب والدعم لهم. ندعم داود ونحب غوليات/جالوت.. في مفارقة المعنى وضده.

ليس غرضي هو مناقشة التطبيع، فشخصيا لم تفاجئني الخطوة، بل فاجأني توقيتها، باعتبار أن ربط التطبيع بالمساهمة في إحياء مسار التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين يظل ربطا غير متماسك، بسبب طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية، الأكثر يمينية وعنصرية وتقويضا لممكنات الحلول السلمية.

أشعر بالعار -ولا أخجل من قولها بصوت مرتفع- حين يكون التطبيع في مقابل الاعتراف بمغربية الصحراء، وحتى هذا الاعتراف غير مضمون أن تقع أجرأته في مجلس الأمن لصالح مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

لا شيء بالنسبة إلي يستحق أن يوضع في كفة مقابلة لكفة الحق المغربي في صحرائه، هي صفقة مقايضة لا تليق بسمو دم الشهداء المغاربة في الصحراء من جيش التحرير زمن الاحتلال الإسباني إلى لحظة توقف القتال، وتوقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار.

ستقرأ الأجيال المقبلة أن بلدهم في سبيل حسم قضية وحدته الترابية لجأ إلى صفقة ثلاثية طرفاها الآخران؛ مجرم حروب (نتانياهو) وأكثر رؤساء الولايات المتحدة عنصرية، تفتقر إلى أي مرجعية أخلاقية، سيقول البعض إن ما أكتبه رومانسية وعواطف في زمن المصالح.

لكن الخطاب التبريري بدوره يتوسل العاطفة حين يتحدث عن السلام وأشواق اليهودي المغربي، واستدعاء الميثولوجيا واللاهوت.

إن غرضي هو التلميح إلى بعض المغالطات، التي تتحول من كثرة تكرارها إلى ما يشبه المسلمة، إذا استدعينا قاعدة «غوبلز» حول بروباغندا الكذب.

ومنها استدعاء اليهود من أصل مغربي لتبرير ما حصل، والحديث عن خصوصية مغربية مقارنة بباقي الدول العربية (إسرائيل والمغرب الرسمي هما من يصران على ربط ما حصل بالانتماء العربي للمغرب، فليتأملها دعاة: لا شأن لنا بالآخر العربي، فنحن لسنا عربا) تتمثل في وجود يهود هناك من أصل مغربي، والحال أن هذه ليست خصوصية مغربية، فثمة يهود من أصول تونسية ومصرية ويمنية وعراقية، وكل هذه الطوائف مازالت محافظة على عوائدها ولهجاتها وأعيادها.

سيربط البعض الخصوصية بإمارة المؤمنين، التي بدورها يعيد تشكيلها التبريري بما يخدم «مغالطاته»، فمرة هي مؤسسة رمزية فقط مثل رمزية رئاسة الملكة للكنيسة البروتستانتية في إنجلترا، ومرة هي المرجعية العليا للإسلام المغربي حين يكون الخصم هو حركات الإسلام السياسي، وقد تتوسع لتشمل جميع المؤمنين كما في حالة اليهود من أصل مغربي بإسرائيل، وهذا التطويع لهذه المؤسسة لتخدم سردية التطبيع، قد يخلق لها مشاكل، من قبيل: لماذا لا يتسع صدر التشريعات المغربية لحرية المعتقد، ويسمح للمغاربة المتحولين دينيا نحو المسيحية أو عقديا نحو التشيع أو البهائية أو الأحمدية بممارسة حقوقهم الدينية علنا وتحت حماية الدولة، مادمنا وسعنا مجال تدخل إمارة المؤمنين من الإسلامي نحو «التوحيدي»؟

وفي نطاق التبرير دائما يجري الحديث من الطرفين المغربي والإسرائيلي عن تاريخ من التعايش الديني بين اليهود والمسلمين في المغرب، وهو قول يحتاج إلى تنسيب، صحيح أن اليهود لم يتعرضوا لإبادة كما وقع في دول أوروبية، ولكن هذه الصورة الوردية عن الوجود اليهودي بالمغرب مبالغ فيها، وعودة إلى كتب التاريخ والمخطوطات، سنجد أن كل فترات «السيبة» تعرف هجوما على أحياء ومداشر اليهود بغية سلبهم ونهبهم، فقد كان مستقرا في العرف أن اليهود يكنزون الأموال، لذلك كانوا هم أول من يتعرض للنهب في أزمنة الفوضى حين تكون الحاجة إلى تمويل المعارك، ويورد الناصري في «الاستقصا» أن بداية قوة المولى الرشيد بن علي الشريف كانت حين فر إلى تازة واستولى على أموال اليهودي هارون بن مشعل لكي يمول حركة القبائل المتحالفة معه من الشرق في طريقه للاستيلاء على فاس.

لذلك، فإن اليهود كانوا يحسون دائما أنهم بين مطرقة «المخزن» الشريف الذي عليهم إرضاؤه، خصوصا وقد احتكروا مهنا لا غنى عنها في البلاطات، وبين سندان المجتمع المسلم الذي وإن كان يتعايش معهم فإنه ينظر لهم بدونية انطلاقا من الفهم الكلاسيكي للنصوص القرآنية التي تجعل اليهودي مرادفا لنقض العهود.

وهذا ما يفسر أن اليهود كانوا دائما ينحازون للطرف الأقوى بحثا عن الحماية، ولذلك فقد سارعوا قبل الحماية إلى الحصول على صفة المحميين من القنصليات الإنجليزية والفرنسية وغيرها، ثم الحصول على الجنسية الفرنسية بعد الحماية، وهو أمر أغضب السلطان محمد الخامس، لأنه يعني أن جزءا من رعاياه لم تعد له عليهم حتى السلطة الرمزية.

هذه «النفسية» اليهودية التي لا تثق في الآخر ولو كان قريبا هي من العوامل التي استثمرتها الحركة الصهيونية في تهجير اليهود نحو فلسطين لاستيطانها، وتشرحها الفيلسوفة حنة أرندت في مقال «اليهودي منبوذا»، حيث تتحدث عن ثنائية لازمت اليهودي وهي: الخوف التاريخي من الملك/الحكومة/الشرطي/القوانين في دول الإقامة من جهة، والإيمان من جهة أخرى بقدرة دهاء الضعيف على هزم القوي (دهاء دافيد/داود في مواجهة العملاق غوليات/جالوت).

طبعا ستصبح حنة أرندت مغضوبا عليها بعد كتابها «إيخمان في القدس» الذي تفضح فيه تورط الصهيونية في جرائم النازية، فقد دشنت حنة أرندت ابنة ناجين من الهولوكوست مشاريع الكشف عن زيف الأساطير المؤسسة لإسرائيل من داخل المجال اليهودي والإسرائيلي الأكاديمي، وتظل كتابات إيلان بابي وبني موريس وأفي شليم وغيرهم من تيار المؤرخين الجدد دالة. الشاهد، هنا، أن الربط بين التطبيع واليهود من أصل مغربي هو سقوط في السردية الصهيونية التي تقيم تطابقا بين اليهودية والصهيونية، باعتبار أن هجرة اليهود نحو فلسطين هي هجرة شرعية للعودة إلى أرض الميعاد والتخلص من وضع الإهانة في بلدان الإقامة.

سيكون ضربا من استغباء الذاكرة أن ندمج الموقف من اليهود الإسرائيليين من أصل مغربي في جدل معاداة السامية أو التسامح الديني، فالموقف منهم ليس عقديا باعتبارهم يهودا، بل موقف سياسي وأخلاقي باعتبارهم محتلين ومستوطنين، إلا من انحاز منهم للحقوق الشرعية للفلسطينيين أصحاب الأرض، وللأسف، فغالبية اليهود من أصل مغربي هم من داعمي اليمين القومي المتشدد والأحزاب الدينية، لذلك، بالنسبة إلي لا تساوي دارجة مائير بن شبات شيئا أمام تورطه في جرائم الحرب.