محمد جليد يكتب: عام «الخروج على السطر»!

محمد جليد محمد جليد

.

لا يسعنا في الأنفاس الأخيرة من هذه السنة اللعينة إلا أن نردد مع شاعرنا الرائع محمد الأشعري ما قاله في «كتاب الشظايا»: «ها نحن نحصي ما فقدناه دون أن تتوقف عقارب الساعة عن حصد أرواح أخرى…». سنمضي بعد ساعات قليلة إلى سنة جديدة لن تكون أفضل من سابقتها دون شك، لكن سنمضي إليها بغير أسف على عام 2020.. لن نتذكر منه سوى صفارات سيارات الإسعاف التي تمرق وحدها في الشوارع، وصور النعوش الماضية إلى المثوى الأخير بلا مواكب التشييع أو دموع الحسرة على الغياب.

بعد هذا العام، سنظل نردد، بكلمات فاترة وفارغة، أننا خسرنا عاما من سنين العمر، كأنه لم يكن أبدا، بعدما قادنا «خفاش» لعين إلى متاهة موحشة، انزلقنا إليها من شقوق استهتار ولامبالاة العامة، وصخب المتعالمين، والجهل المنحوت على جباه دهاقنة العالم والساسة والقادة، وعجز العلم رغم تطور الحواسيب. سنشهد أمام التاريخ أننا فشلنا، بعدما أحكمنا إغلاق الحدود والطرقات والنوافذ وأغرقنا السوق بـ«الكمامات»، في ردع الفيروس الزاحف عبر الأنفاس والسطوح. لن ننكر الحقيقة أمام هذا التاريخ، كما فعل أجدادنا بعد عام «البون».. حقيقة غدر أرباب الشركات وباعة خراف العيد…

لا شيء كان يبعث على الشك في مارس، لكننا سرنا بخطى وئيدة إلى الهاوية بعد أبريل. قبل ماي، لم نكن ندرك أن خروجنا إلى الشوارع والساحات المزدحمة ونزقَنا، الذي لم يكن يشبه نزق الصينيين البتّة، سيقذفان بنا في طوفان جنائز غير مكتملة، بلا ترتيلات قرآنية، ولا سرادق عزاء، ولا صدقات ترحم، محمولين على صهوة سهم أرقام الوفيات وبيانات المصابين، عالقين إلى الآن في قاعة انتظار لقاح ربما لن يجدي. وعلى امتداد الشهور اللاحقة، تواصل نحيبنا المكتوم، بعدما نشب الوحش مخالبه في جلد رغبة البقاء، ونفث سمّه في رئة الحياة، ونكأ جروح الأمل النازف منذ قرون في هذه «الأرض اليباب»...

في عام الناس هذا، «خرجنا على السطر»، مثل تلميذ لا تسعفه أنامله في اتباع آثار الرسم. عبرنا من الركود إلى الدوار، بعدما فقدنا كل أمل في قطف ثمار «الربيع»، مع حراك الريف وانتفاضة عمال مناجم الفحم في حاضرة الشرق. انكسرت الروح بأنين ضحايا خلف القضبان، وكبح جماح الأقلام المرحة والأفكار الحرة، كأن شمس الحلم لم تشرق على هذا البلد قبل عشرين عاما، أو كأننا لم نشهر ورقة الأمل الواعد ضد عتمة الدهاليز الحالكة، ولم تعد البسمة إلى شفاه العائدين من أقبية الفلاة.

في أيام قليلة، بل ثوانٍ، عبرنا من الشغل وإن قلَّ- إلى البطالة. لم نعد نغمس الخبز في السمن والعسل صباحا، وفي المرق ظهرا. لم نعد نحتسي القهوة على شرفات المقاهي، أو نتلذذ بساندويتشات المطاعم في وقت متأخر من الليل. هجر أصحاب «خانز وبنين» الأحياء الشعبية. حتى ملامح السكارى الذين يترنحون على الأرصفة لم تعد تشع عند الفجر. هجر باعة الصحف أكشاكهم، وأقفلت المكتبات ومكاتب الأسفار والمطابع والفنادق والأسواق والمتاجر ومقرات الأحزاب والنقابات والجمعيات والإدارات أبوابها. وبات آلاف العمال العائدين إلى بلداتهم وقراهم البعيدة ينشدون رسالة هاتفية، قد تصل أو لا تصل، ليطردوا بها ذئب الخصاصة.

طوقتنا رخص المرح والسفر ومراسيم حظر التجول، وحاصرتنا قرارات منتصف الليل خلف سياج الخوف من المرض والحنين المرير إلى حياة عادية.وبات الاشتهاء والاشتياق واللقاء رعبا متسع الأطراف. لا طعم للكينونة اليوم بلا حفلات الزفاف والختان والخفقات المقبلة على الحياة بصرخات ضاجة. لا لون دون أمسيات الموسيقى والأغنيات وقصائد الحب وبلاغة الكلمات التي ترعاها أرواح الأدباء والفلاسفة والعقلاء. لا حياة في غياب دروس المعلمين وآراء المفكرين ولوحات الرسامين وحوارات الروائيين وسهرات المغنين في الإذاعة والتلفزيون. لا متعة بلا عوم في الشواطئ، بلا رقص في المراقص، بلا سياحات في الحدائق والوديان والصحارى، بلا عطل في الشمال أو الجنوب، بلا سفر إلى «الغرب» و«الشرق»

ترى، هل ندفن ركام هذا السواد بعد اللقاح؟ ترى، هل تعود الحياة كما كانت، قبل رجفة الإنسان في سنة 2020، أم نضع الألفة مع هذا الزمن المتشقق عنوانا لبقية العمر، ابتداء من يوم الجمعة؟