من احتماء يهود المغرب بمحمد الخامس إلى دعائهم لمحمد السادس.. العلاقة الحذرة

المغرب- إسرائيل المغرب- إسرائيل

.

لا يحتاج عهد الملك الراحل، الحسن الثاني، إلى عناء كبير للوقوف عند العلاقات المتشعبة والقوية التي كانت تربطه باليهود المغاربة، وبالمسؤولين الإسرائيليين. وأبرز هؤلاء المسؤولين الإسرائيليين الذين ارتبطوا بعلاقات خاصة مع الملك الراحل الحسن الثاني، هناك إسحاق رابين وشمعون بيريز، وإن كان اسم هذا الأخير يبرز في ارتباط بحدثين متناقضين؛ أولهما استقباله من طرف الملك الراحل الحسن الثاني منتصف عقد الثمانينيات، ثم تلقيه رسالة رسميا من الملك محمد السادس عام 2010، مفادها أنه شخص غير مرحّب به في المملكة، بعد اعتزامه زيارتها في إطار مؤتمر دولي.

عصر يوم الثلاثاء 22 دجنبر 2020، حطت طائرة إسرائيلية أول مرة وبشكل رسمي وتحت كاميرات الإعلام المغربي والأمريكي والإسرائيلي بمطار سلا- الرباط. زيارة الوفد الإسرائيلي والأمريكي هي “حدث تاريخي” جاء لـ”متابعة وتنفيذ عناصر المكالمة التي كانت بين الملك، محمد السادس، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في العاشر من دجنبر الجاري”، هذا ما قاله ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي في ندوة صحفية أعقبت استقبال الوفدين، مذكرا بأن المكالمة تضمنت “إعلانات تاريخية وهامة، سواء فيما يتعلق بالصحراء المغربية والاعتراف الأمريكي بالصحراء.. أو فيما يرتبط بتطورات الشرق الأوسط وإعادة إحياء آليات التعاون بين المملكة المغربية ودولة إسرائيل، وكانت تلك المكالمة نتيجة عمل دام أكثر من سنة ونصف”.

هذا المشهد وعلاوة على شحنة من المشاعر والانفعالات التي أثارتها دلالته الآنية، قذف بالأذهان في عمق الذاكرة، التي حرصت الروايات الرسمية على النبش فيها للعثور على الأحجار الكريمة التي يمكنها تزيين ما يحصل. في لحظة الاستقبال الملكي التي حبست الأنفاس واستأثرت بالأنظار، كان إرث زاخر من العلاقات بين مكون ثقافي وحضاري عريق للمغرب، هو المكوّن اليهودي، وبين الملك بكل ما يكثّفه من دلالات ورموز، يقفز إلى الواجهة. فالمسار السياسي والدبلوماسي الدولي والإقليمي الذي أنتج مغرب اليوم، الذي يمكن جعل مؤتمر الجزيرة الخضراء للعام 1906 كبداية له، شهد حضور العنصر الأمريكي لحل خلافات المستعمرين الأوربيين، ولحماية “الأقلية” اليهودية المغربية.

محمد الخامس.. ضد النازية وضد الصهيونية

إذا كان عهد الملك الأول للمغرب المستقل، محمد الخامس، قد انطبع أساسا بمقاومته المشهودة لمحاولات حكومة “فيشي” الفرنسية الموالية لألمانيا النازية، اقتياد يهود المغرب نحو المحرقة السياسية؛ فإنه في عهده أيضا تأسست دولة إسرائيل فوق الأرض الفلسطينية، وتدفّقت جموع من اليهود المغاربة نحو “أرض الميعاد”، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية من داخل المغرب نحو وجهة محددة. حماية محمد الخامس لليهود المغاربة من البطش النازي، تسجّله دولة إسرائيل بما يشير إلى العرفان، بإطلاق اسم محمد الخامس على أحد شوارع الدولة العبرية.

وفي الوقت الذي كانت أول محطة في زيارة الوفدين الأمريكي والإسرائيلي للمغرب الثلاثاء الماضي هي زيارة ضريح محمد الخامس والتوقيع في دفتره الذهبي؛ فإن جدّ الملك المغربي الحالي واجه أيضا صعوبات مع المكون اليهودي للمغرب، حيث تسجّل دراسة للمؤرخ محمد كنبيب، مثلا، كيف أنه واجه في بدايات حكمه الذي بدأ عام 1927، مشكلة إقبال اليهود المغاربة على حمل الجنسية الفرنسية والخروج من قائمة “الأهالي” الخاضعين لسلطته. وكان على محمد بن يوسف أن يضغط على الإقامة الفرنسية بشكل مباشر لتوقف موجة تجنيس اليهود المغاربة والكف عن إخراجهم من دائرة نفوذه.

ورغم انقلاب الآية بعد سقوط فرنسا تحت الاحتلال النازي، وتحوّل محمد الخامس إلى مظلة احتمى بها اليهود المغاربة من القوانين التي تؤدي إلى إقصائهم؛ فإن محمد كنبيب يسجل، أيضا، كيف فتح الإنزال الأمريكي باب المغرب على مصراعيه أمام المنظمات اليهودية الأمريكية، وأذكى اهتمامها بيهود المغرب وبوزنهم الديموغرافي، في أفق بناء دولة يهودية في فلسطين.

ويضيف كنبيب أن الوفود التي قدمت إلى الولايات المتحدة في نونبر 1944 لحضور مؤتمر أطلنتيك سيتي، ركّزت اهتمامها على ساكنة الملاحات المغربية، بصفتها خزانا بشريا يمكن الاعتماد عليه لتوفير نسبة هامة من اليد العاملة اللازمة لبناء الدولة اليهودية. وانطلاقا من هذه الاعتبارات، تدخلت المنظمات اليهودية الأمريكية بثقلها الهائل للتمهيد لخطة التهجير في وقت لاحق.

مسار لم تفرمله مرة أخرى سوى مقاومة محمد الخامس، الذي استغل فرصة عيد العرش (18 نونبر 1944) ليذكر اليهود المغاربة بواجباتهم باعتبارهم رعاياه، إذ تنطبق عليهم واجبات وحقوق غيرهم من الرعايا المغاربة. وفي فترة اشتداد المواجهات الدامية التي قادتها العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين، بذل محمد الخامس جهودا كبيرة لتفادي انتقال تلك المواجهات إلى المدن المغربية. ولم يتردّد السلطان المغربي في إعلان مساندته للجانب العربي في تلك الحرب، ودعوة يهود المغرب إلى الهدوء.

نزيف غامض

وإذا كان هناك من حدث يرمز إلى هذا النزيف الديمغرافي والثقافي الذي عاشه المغرب بفعل هجرة مواطنيه اليهود إثر تأسيس دولة إسرائيل، فهو تلك الحوادث المأساوية لغرق بعض السفن التي كانت تنقل يهود المغرب تحت جنح الظلام. وأشهر هذه الحوادث سفينة “بيسيس” الشهيرة، التي كانت تقوم برحلات سرية بين المغرب وفلسطين.

في كتابه “صحافي وثلاثة ملوك” الذي نشرته “أخبار اليوم”، روى الصحافي الراحل مصطفى العلوي قصته مع هذه السفينة، التي غرقت مودية بحياة 42 يهوديا مغربيا، بعدما انطلق إبحارها يوم 11 يناير 1961، بين السواحل الشمالية للمملكة وجبل طارق.

كان الراحل مصطفى العلوي حينها يدير جريدة “الفجر” التابعة لوزارة الداخلية، وفيها نشر أول روبورتاج مصور عن عملية تهريب اليهود وأثيرت فيها قضية الباخرة “بيسيس”. وتسبّبت جريدته حينها في صدمة حين كشف قصة غرق السفينة، وكيف بدأت جثثهم تطفو على السطح وتلقي بها الأمواج تباعا في السواحل المغربية. وأثار حينها موضوع دفن جثث الضحايا جدلا كبيرا بدوره، حيث استقبل الأمير مولاي الحسن رسميا ممثلي الطائفة اليهودية، وهم كل من الدكتور ليون بنزاكين، وهو صديق حميم للأمير ووزير سابق للبريد، ودافيد عمار، رئيس الطائفة اليهودية. وطلب هؤلاء من ولي العهد السماح بدفن الضحايا بطقوس دينية يهودية. وبعد مفاوضات شاقة وعسيرة، قبل الأمير مشترطا أن تقتصر الطقوس على الحد الأدنى الضروري، وأن تتم في إحدى المقابر الإسبانية قرب الحسيمة.

الحادث بمأساويته أثار ضجة كبيرة حول كل من المغرب وإسرائيل، وسلط الأضواء على طبيعة الرحلات التي تنقل اليهود من المغرب إلى إسرائيل، والشبكات التي تقوم بذلك ونوع التواطؤات التي لم تكن هذه العمليات لتتم بدونها. اضطر يومها وزير الإعلام، أحمد العلوي، إلى تنظيم ندوة صحافية بالرباط يوم الاثنين 23 يناير 1961، معلنا أن جريدة “الفجر” ليست جريدة رسمية. وقال الوزير إن “المسؤولية في ما جرى تعود الى تلك المنظمات الصهيونية التي تخلق إحساسا هنا بأن اليهود المغاربة يرغبون في الرحيل إلى إسرائيل، بينما هم يحظون بكامل حقوقهم تماما مثل المواطنين المسلمين، والطائفتان تعيشان معا في انسجام كامل، وهو التعايش الذي يعود إلى آلاف السنين في بعض المناطق، مثل منطقة الأطلس”، يقول أحمد العلوي في تلك الندوة الصحافية.

أكثر من ذلك، ذهب العقل الإعلامي للراحل الحسن الثاني، إلى اعتبار رحيل اليهود المغاربة بمثابة “هروب”. “وإذا كان المغرب لا يقبل بذهاب اليهود إلى إسرائيل، فلأنه يعتبر أنه من الظلم تركهم يستقرون في أرض العرب الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم”. لكن أمر الهجرة المكثفة لليهود المغاربة نحو فلسطين، بقي منذ ذلك الحين سرا كبيرا محاطا بكثير من التكتم والتوجس.

الحسن الثاني.. التقارب

لا يحتاج عهد الملك الراحل، الحسن الثاني، إلى عناء كبير للوقوف عند العلاقات المتشعبة والقوية التي كانت تربطه باليهود المغاربة، وبالمسؤولين الإسرائيليين. وأبرز هؤلاء المسؤولين الإسرائيليين الذين ارتبطوا بعلاقات خاصة مع الملك الراحل الحسن الثاني، هناك إسحاق رابين وشمعون بيريز، وإن كان اسم هذا الأخير يبرز في ارتباط بحدثين متناقضين؛ أولهما استقباله من طرف الملك الراحل الحسن الثاني منتصف عقد الثمانينيات، ثم تلقيه رسالة رسميا من الملك محمد السادس عام 2010، مفادها أنه شخص غير مرحّب به في المملكة، بعد اعتزامه زيارتها في إطار مؤتمر دولي.

كان بيريز قد حظي باستقبال رسمي من طرف الملك الراحل الحسن الثاني يومي 22 و23 يونيو 1986، في إطار سياسة الملك الراحل الخارجية التي كانت تقوم على لعب المغرب لدور فعال في قضية الشرق الأوسط. ورغم ردود الفعل الغاضبة التي أثارتها تلك الزيارة للمسؤول الإسرائيلي من بعض الدول العربية، مثل العراق وسوريا وليبيا، إلا أن الملك الراحل قال في خطاب وجّهه إلى الشعب المغربي إثر ذلك، إنه لا يهتم بمن انتقد وندد ولا بمن بارك واستحسن، “إنما أهتم قبل كل شيء برضاك أنت وبانتقادك وبراحة ضميري. فإذا كنت مرتاح الضمير وكنت أحس من حولي كما أحسست به دائما أن شعبي قد فهمني، وأنه يسايرني في خطتي، وأنه يبارك لي تحركي، آنذاك تمكنت من أن أقيّم التقييم الصحيح ردود الفعل العالمية، لأنه كما تعلم، ضميري هو ضميرك وراحتي هي ارتياحك”.

سرّ تلك العلاقة التي ربطت بعض قادة إسرائيل بالحسن الثاني، ظل يتكشّف بتقتير كبير وعلى مراحل متباعدة. ففي أواخر العام 2012، بثت القناة الرسمية الأولى شريطا وثائقيا، يكشف أسرار وتفاصيل خطيرة متعلقة بعدد من العمليات التي نفّذها جهاز “الموساد”، وما تعتبره إسرائيل إنجازات دبلوماسية حققها ذراعها الأمني السري. ومن بين العمليات التي يتحدّث عنها الشريط المثير، كواليس التوصل إلى اتفاقية السلام بين كل من إسرائيل ومصر في عهد أنور السادات. والمثير أكثر في ما يكشفه الشريط الجديد، هو الدور السري الذي لعبه الملك الراحل الحسن الثاني في التوصل إلى هذا الاتفاق، والاتصالات السرية التي أجراها معه كبار المسؤولين السياسيين والاستخباراتيين الإسرائيليين بهذا الخصوص.

الشريط تحدّث لأول مرة عن انتقال مسؤولين إسرائيليين كبار عام 1977، بشكل سري، إلى المغرب من أجل لقاء الملك الراحل الحسن الثاني. ويُظهر الشريط إحدى الصور النادرة لهذه الزيارات، التي يظهر فيها كل من رئيس الوزراء حينها، الراحل إسحاق رابين، وهو يدخل إلى أحد قصور الحسن الثاني متنكرا عبر وضع باروكة فوق شعره، وبرفقته رئيس جهاز “الموساد” حينها، إسحاق جوفي. هذا الأخير يتحدّث شخصيا في الشريط الذي يحمل عنوان “شفاه مغلقة”، في إشارة إلى موضوعه المتمثل في جهاز المخابرات الكتوم. ويوضح المسؤول السابق عن الجهاز السري الإسرائيلي، أنه وضع أسس اتفاقية السلام التي وُقّعت مع مصر، رفقة الملك الراحل الحسن الثاني.

الاتفاقية المقصودة هي المشهورة باتفاقية “كامب ديفيد”، والتي تم التوقيع عليها في 18 شتنبر من العام 1978، بين كل من الرئيس المصري الراحل، محمد أنور السادات، ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن. هذا الأخير كان قد خلق إسحاق رابين في رئاسة الحكومة الإسرائيلية في ماي 1977، ما يعني أن لقاء هذا الأخير بالحسن الثاني تم في الشهور الأولى من هذه السنة. وفيما تم التوصل إلى الاتفاق، حسب الروايات الرسمية، بعد 12 يوما من المفاوضات التي تمت في منتجع “كامب ديفيد” الموجود في ولاية “ميريلاند” الأمريكية؛ يكشف الشريط الوثائقي الجديد جزءا من الكواليس المعقدة للتحضيرات الأولى لهذا الاتفاق، والدور الذي لعبه الملك المغربي الراحل في تمهيد الطريق نحو هذه الاتفاقية التاريخية.

قصة دخول إسحاق رابين إلى قصر الحسن الثاني متخفيا عام 1977، كانت قد ترددت في روايات متفرقة، لكنها ظلت إلى اليوم مجرد حكايات شفوية دون وثائق رسمية تدل عليها. وكانت زيارة شمعون بيريز إلى المغرب ولقاءه بالحسن الثاني عام 1986، أول استقبال رسمي لمسؤول إسرائيلي يُخرجه الملك الراحل إلى العلن، رغم ما أثاره عليه ذلك حينها من انتقادات وتوترات مع بعض الدول العربية. فيما تشير الكتابات المتعلقة بكواليس اتفاقية “كامب ديفيد”، إلى أن الملك الراحل خاض لقاءات ومشاورات عديدة مع مسؤولين إسرائيليين ومصريين، من بينها لقاء اجتمع فيه كل من وزير الخارجية الإسرائيلي حينها، موشي ديان، مع أحد مبعوثي الرئيس المصري أنور السادات.

مناطق ظل

بعد ذلك الشريط الوثائقي، جاء الدور على مذكرات أحد الذين يعتبرون بمثابة “العلبة السوداء”، للزعيم الإسرائيلي الراحل، إسحاق رابين، أحد أقرب الشخصيات الإسرائيلية قربا واحتكاكا بالملك الراحل. يتعلّق الأمر هذه المرة بالسياسي الإسرائيلي الذي تولى مهمة مدير ديون إسحاق رابين، خلال فترة رئاسة هذا الأخير للحكومة الإسرائيلية أواسط التسعينيات. إيتان هابر، الذي ينشر مذكراته الشخصية في إحدى الصحف الإسرائيلية عام 2013، روى من بين ما رواه من تفاصيل دقيقة من كواليس اتفاقية أوسلو الشهيرة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي أفضت إلى تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية وإطلاق مسار إحلال السلام. جزء من تلك التفاصيل يتعلّق بسرّ تلك الزيارة المفاجئة التي قام بها إسحاق رابين، شهر ستنبر 1993، إلى المغرب، قادما إليه مباشرة بعد توقيع الاتفاق في العاصمة الأمريكية واشنطن، مع الراحل ياسر عرفات.

وفيما يربط جلّ المتتبعين بين تلك الزيارة المفاجئة، وبين الدور المحتمل الذي قد يكون الملك الراحل الحسن الثاني قد قام به في مفاوضات أوسلو، كشف إيتان هابر عن أن تلك الزيارة كانت نتيجة مشاورات عسيرة جرت داخل القيادة الإسرائيلية، بحثا عن حلّ يمكّن إسحاق رابين من تجنّب حضور حفل عشاء نظمه الرئيس الأمريكي حينها، بيل كلينتون، دون أن يبدو ذلك رفضا مهينا لرئيس أكبر قوة عالمية، والدولة الراعية لمسلسل السلام في الشرق الأوسط.

نائب في الكنيسيت الإسرائيلي اقترح خلال تلك المشاورات عدم حضور رابين ذلك العشاء، وبالتالي تجنّب وقوع اصطدام جديد مع وزير خارجيته، الرئيس الحالي لإسرائيل، شمعون بيريز، الذي كان يعتبر نفسه مهندس الاتفاق والرجل الذي يجب أن يظهر في الصورة بعد التوقيع عليه؛ إقناع الملك الراحل الحسن الثاني بتوجيه دعوة إلى رابين بزيارة المغرب مباشرة بعد التوقيع على الاتفاق، وتقديم ذلك كمبرر مقنع للرئيس الأمريكي، من أجل الاعتذار عن حضور حفل العشاء في البيت الأبيض.

“اقترح عضو الكنيست رافي إدري إثارة اهتمام الحسن، ملك المغرب، بزيارة أولى إلى بلده من المراسم مباشرة”، يقول إيتان هابر، مضيفا أن رابين وافق على الفكرة، مشترطا تلقي دعوة رسمية من الملك الحسن الثاني، “ويجب أن يفهم أيضا أن الزيارة ستحظى بنشر واسع في العالم ولاسيما العالم العربي، ورأيت في مخيلتي ذلك المقام وهو الأول في نوعه منذ 1948: طائرة إسرائيلية، مع شعار سلاح الجو الإسرائيلي تهبط في الرباط عاصمة المغرب، وواحدة من أهم العواصم العربية. سيصنع إسحق رابين تاريخا مرة أخرى”، يقول إيتان هابر في مذكراته التي تنشرها جريدة “القدس العربي” نقلا عن “يديعوت” الإسرائيلية، ثم يضيف: “وشعرت، مزودا بهذه المعلومة التي كانت سرية حتى الهبوط في المغرب وتخضع لموافقة الملك في آخر لحظة، (شعرت) بحاجة إلى أن أهاتف إينديك مرة أخرى وقلت: ‘سنغادر الولايات المتحدة في المساء’. وبقي الآن أن نحصل على شيء صغير واحد فقط، وهو موافقة ملك المغرب على إجرائه وإجراء بلده التاريخي، وليس ذلك أمرا قليل الأهمية”.

ملك المغرب.. طوق نجاة

قصة اللجوء إلى لعب ورقة الحسن الثاني، تعود إلى ذلك الصراع العسير الذي جرى داخل الحكومة الإسرائيلية بين رئيس الوزراء إسحاق رابين، ووزير خارجيته شمعون بيريز. فقد كان هذا الأخير هو من قاد مفاوضات السلام، رفقة الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس، وكان بيريز يعتبر أن من حقه قطف ثمار تلك المفاوضات والإشراف على توقيع الاتفاق. لكن، وحسب ما رواه إيتان هابر في مذكراته، كانت للرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، رغبة أخرى تتمثل في حضور كل من الراحلين، إسحاق رابين وياسر عرفات، إلى واشنطن، للتوقيع على الاتفاق والاحتفال به.

لكن الفكرة لم تكن مقبولة لدى رابين وفريقه، لما كان لوقوفه إلى جانب ياسر عرفات من انعكاسات سلبية لدى الرأي العام الإسرائيلي. وتطلب الأمر اتصال كلينتون شخصيا برابين، لإقناعه بالسفر إلى واشنطن. وبعد قبوله الدعوة، راح الإسرائيليون يفرضون شروطهم، المتمثلة في عدم حضور ياسر عرفات حاملا مسدسه الشهير، ولا مرتديا البذلة العسكرية، ولا برمجة سلام طويل بينه وبين رابين. المفاجأة التي أخرجها الأمريكيون في آخر لحظة، تتمثل في برمجة حفل عشاء بعد التوقيع على الاتفاق، وهو ما رفض رابين قبوله نهائيا.

الدعم الأمريكي مقابل دور في فلسطين

جانب آخر من علاقات الملك الراحل الحسن الثاني المباشرة وغير المباشرة بالإسرائيليين، يتعلّق بشكل مباشر بملف الصحراء، حيث كان كسب الدعم الأمريكي حاسما قبل الإقدام على تنظيم المسيرة الخضراء لاسترجاع الصحراء، وهذا الدعم كان مرتبطا بدوره بلعب دور معيّن في القضية الفلسطينية.

“الساعة العاشرة و15 دقيقة من صباح يوم 6 يونيو 1974، يجلس السفير الأمريكي بالمغرب روبرت نيومان أمام الملك الراحل الحسن الثاني في قصره بمدينة الصخيرات. اللقاء جاء نتيجة اتصالات ورسائل وتبادل للوفود على مدى السنوات الثلاث الماضية، وكان جدول أعماله بنقطة فريدة: الدعم العسكري الأمريكي للمغرب”، كما تقول برقية بعثتها السفارة الأمريكية بالرباط إلى واشنطن، ورفعت عنها السرية حديثا.

الدبلوماسي الأمريكي قال في الملخّص الأولي إن الانطباع العام الذي ساد اللقاء كان عنوانه قلق الحسن الثاني وتوتّره جرّاء الآجال المتأخرة التي عرضت واشنطن تسليم الأسلحة التي طلبها المغرب فيها. وتضيف البرقية أن السفير بدأ حديثه بطمأنة الملك إلى أن تعليمات مسؤوليه، وفي مقدمتهم الرئيس نيكسون، تفيد بالتعاون إلى أقصى الحدود مع المغرب.

وتنقل برقية أخرى كيف توتّر الملك خلال لقائه مع السفير الأمريكي، وكان سببه إلغاء غير متوقّع لزيارة كان الرئيس الأمريكي سيقوم بها إلى المغرب. لكنّه وجّه رسالة واضحة بخصوص مطالبه العسكرية. “لقد قال لي الملك إن المغرب لا يطلب الحصول على هدايا، بل مستعدّ لدفع مقابل الأسلحة التي يريد، لكنّ على الأمريكيين أن يعلموا أنه يشتري بهدف حماية أمن البلاد، وقد سبق لهم أن قالوا إن هذا الأمن يهمّهم”. أهم ما كان الحسن الثاني يطالب به الأمريكيين، كان دبابات عسكرية يتراوح عددها ما بين 80 و100 دبابة. رقم قال الملك الراحل إنه لا يمثّل شيئا بالنسبة لدولة قدّمت الآلاف من الدبابات مثل أمريكا. وأوضح الملك للسفير الأمريكي، كما تنقل وثيقة رسمية، أن ضباطه الذين عادوا من سوريا بعد مشاركتهم في الحرب ضد إسرائيل بهضبة الجولان، شاهدوا الأسلحة السوفياتية التي تتوفّر عليها دول عربية أخرى، وهو يشير بذلك الى الجزائر، وكيف أنها متطورة وسريعة. وكلمة السرّ بالنسبة للجانب الأمريكي في هذا الدعم، الذي انتهى بهم الأمر بمنحه، هي قدرة الحسن الثاني على لعب دور إيجابي في صراع الشرق الأوسط، من خلال قدرته على التواصل مع الطرفين.

إلى جانب السادات

حقائق أخرى كشفها كتاب أصدره أحد المسؤولين السابقين في المخابرات العسكرية الإسرائيلية عام 2015، عن محاولات الدولة العبرية شقّ الصفوف العربية واستمالة بعض الدول وكسب تعاون بعض الزعماء، من خلال مقايضتهم ببعض المصالح والخدمات التي تستطيع الدولة الإسرائيلية تقديمها. ومن أهم المعلومات الجديدة التي كشفها الكتاب الجديد لصاحبه يوسي ألفر، هناك دور الملك الراحل الحسن الثاني في الترتيب للزيارة الشهيرة التي قام بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس المحتلة وإسرائيل، التي أفضت إلى التوصّل إلى اتفاقية كامب دايفد الشهيرة، وهي اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل.

يوسي ألفر كشف تفاصيل الدور المغربي للترتيب لتلك الزيارة الشهيرة، حيث قال إن العلاقات المغربية الإسرائيلية كانت واحدا من أعمدة العلاقات التي سعت إسرائيل إلى إقامتها مع دول المنطقة العربية، إلى جانب تحالفها مع كل من إيران (في عهد الشاه) وتركيا لتبادل المعلومات والتخطيط المشترك.

المسؤول الاستخباراتي السابق قال في كتابه: “بحث إسرائيل عن حلفاء في الشرق الأوسط”، إن إسرائيل سعت في البداية إلى تقديم مساعدتها للمغرب في تكوين فرقة من الحرس الشخصي، مكلفة بحماية الشخصيات الهامة. في المقابل، يقول صحاب الكتاب إن إسرائيل كانت تحصل على معلومات هامة هي في حاجة إليها. تجربة تودّد إسرائيلي مبكّر سوف تتحوّل بعد 12 عاما إلى دور مغربي كبير في الترتيب لزيارة أنور السادات إلى إسرائيل، “لقاء بين الملك الحسن الثاني ومدير الموساد إسحاق حوفي أفضى إلى لقاء ملكي آخر مع الوزير الأول الإسرائيلي إسحاق رابين، والذي حلّ بالمغرب بشكل سري ومرتديا باروكة شعر أشقر”.

بعد هذه الاجتماعات المغربية الإسرائيلية، احتضنت المملكة لقاءات سرية بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين مصريين، حيث يأتي الكتاب على ذكر لقاء بين كل من مدير المخابرات الإسرائيلية، الموساد، ونائب الرئيس المصري حسن التهامي، وهو اللقاء الذي فتح الطريق أمام لقاء آخر بين نائب أنور السادات ووزير الخارجية الإسرائيلي موشي ديان. هذا الأخير قام أيضا بزيارة المغرب بشكل سري وبهوية غير حقيقية، حيث كشف صاحب الكتاب أنه قام بنزع العصابة الشهيرة التي كانت تغطي عينه اليسرى التي فقدها في الحرب بسوريا، وارتدى قبّعة من نوع “بورسالينو” الإيطالية، ليتغيّر شكله تماما. يوسي ألفر قال في كتابه إن مسؤولي الموساد أنفسهم لم يستطيعوا التعرّف عليه حين شاهدوا صورته في جواز السفر الذي سافر به إلى المغرب بهوية مزوّرة.

أبرز ما كشفه الكتاب الجديد حول محاولات إسرائيل المبكرة لبناء تحالفات داخل المنطقة العربية والإسلامية، هو تشكيلها حلفا ثلاثيا سريا مع كل من ايران وتركيا، حيث كان لهذا التحالف الاستخباراتي مقرّ مركزي في إسرائيل، حيث كانت تنعقد اجتماعات دورية وبشكل دائم. ويضيف صاحب الكتاب أنه قام شخصيا بأدوار في عملية نقل أسلحة مصرية استولت عليها إسرائيل في حرب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إلى اليمن وتسليمها لقوات الإمام بدر المدعوم من طرف السعودية، لمواجهة جيش جمال عبد الناصر المصري. وأوضح الكاتب أن السعوديين طلبوا دعما بريطانيا في تلك الحرب، وهو الدعم الذي فوّضت لندن مهمة تقديمه لإسرائيل، حيث كانت طائرة شحن إسرائيلية تقوم بـ14 رحلة خلال سنتين، لنقل أسلحة مصرية إلى اليمن. المهمة كانت تتم تحت مراقبة مسؤولين بريطانيين، وكان الهدف منها إنهاك الجيش المصري في اليمن، لكون تل أبيب كانت تعرف أن حربا أخرى قادمة حتما مع مصر. وأوضح صاحب الكتاب أن المعلومات التي قام بكشفها حصلت لأول مرة على ترخيص يرفع عنها السرّية.

ليس محمد السادس كالحسن الثاني

يوم الثلاثاء 22 دجنبر الحالي، تحدث المسؤول الإسرائيلي، بن مائير شبات، بحماس كبير عن الاتفاق وبفرح من الجانب الإسرائيلي، واختار أن يتحدث بالدارجة المغربية ويحكي عن روابطه العائلية بالمغرب، وعلاقة اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى إسرائيل من بلدهم المغرب قائلا: “معا كأًصدقاء وكشركاء حقيقيين سنغير وجه المنطقة لصالح شعبينا ولصالح دول الجوار”، متنقلا في حديثه بين العربية الفصحى والدارجة المغربية ثم العبرية، وخلال الاستقبال الملكي أبدى للملك المغربي فرح بلاده بالاتفاق، موجها كلامه بالدارجة المغربية ومستعيرا جملة من الطقوس المغربية في حضرة الملك التي تعبر عن الولاء.

حنين كبير عبّر عنه مستشار الأمن القومي لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، والذي رفض الملك محمد السادس الاستجابة لمحاولاته المتكررة والملحة للقائه. فمنذ اعتلاء الملك الحالي عرش المملكة خلفا للحسن الثاني، اعتمد مقاربة مختلفة في ضبط ميزان العلاقات مع إسرائيل. فرغم استقباله بعض المسؤولين والوزراء الإسرائيليين بشكل رسمي، وهم بشكل خاص المنحدرين من أصول مغربية، إلا أنه لم يتردد في إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، ومثيله الذي كان يمثل المغرب في تل أبيب، بعدما اشتد الفتك الإسرائيلي بالفلسطينيين بعد انتفاضة الأقصى، التي فجّرها اقتحام أرييل شارون لباحة الأقصى.

حرص كبير وجدي على تعهّد العلاقات الخاصة بين العرش العلوي وبين رعاياه اليهود، بمن فيهم الإسرائيليون، لم يعادله خلال العقدين الماضيين إلا حرص كبير على عدم التفريط في دعم الحقوق الفلسطينية. ففي أواخر العام 2010، نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية واسعة الانتشار، خبر اعتزام الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز القيام بزيارة رسمية إلى المغرب. وقالت الصحيفة إن رئيس بلادها سيقوم بزيارة إلى المغرب، بناء على دعوة زعمت الصحيفة الإسرائيلية أنه تلقاها من المملكة. وأضافت أن رئيس الدولة الإسرائيلية سيلتقي خلال زيارته هذه بعدد من المسؤولين المغاربة، لم تستبعد منهم الملك محمد السادس.

كان الأمر يتعلّق بالمنتدى الاقتصادي العالمي الذي احتضنته مدينة مراكش في أكتوبر من تلك السنة، وحاول بيريز حضوره بشكل رسمي والحصول بالتالي على استقبال من طرف الملك محمد السادس. بعد أقل من يوم واحد على نشر ذلك الخبر، عادت الصحيفة نفسها لتعلن تراجع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز عن قراره بزيارة المغرب، والمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد بمراكش ما بين 26 و28 أكتوبر. وأعلنت تل أبيب قرار رئيسها هذا بعدما توصّل رئيسها برسالة من الديوان الملكي المغربي، يخبره فيها باستحالة استقباله من طرف الملك محمد السادس. وتناقلت حينها الصحف والقنوات الإسرائيلية نبأ الرسالة المغربية بكثير من الأسف، ومعها قرار الرئاسة الإسرائيلية التراجع عن زيارة المغرب، بدعوى أن البروتوكول الخاص برئيس الدولة العبرية يمنعه من زيارة بلد دون أن يلتقي رئيسه.

موقف رافض للتطبيع الذي يعني الميل إلى كفة إسرائيل، ظل قائما طيلة السنوات الماضية، بما فيها تلك التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحمل فيها صفقة القرن مغريا ومهددا الدول العربية للدخول فيها. بل إن ملك المغرب لم يتأخر في بعث رسالة اعتراض رسمية إلى الرئيس الأمريكي، بعد إقراره مدينة القدس عاصمة لإسرائيل، ونقله السفارة الأمريكية إليها. فالصحافة الإسرائيلية، المقربة من نتانياهو، روّجت منذ بداية 2019 لمشروع زيارة رسمية قالت إنه سيقوم بها إلى المغرب بضغط ورعاية أمريكية. وعندما لم تتحقق الزيارة، بات صهر ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاريد كوشنير، العقل المدبر لـ”صفقة القرن”، هو من يطرق أبواب المغرب. وحتى عندما تم الاتفاق على ذلك، جرى تنفيذه الأسبوع الماضي بمقاييس وشروط مغربية، بما فيها المقاييس البروتوكولية، التي تفيد التقدم بالمسافة التي تخدم المصالح المغربية دون أن تضر بتلك الفلسطينية؛ فهل تفلح دولة محمد السادس في لجم الجناح المتعطش للتطبيع الأعمى؟