سعيدة الكامل تكتب: في عام الوباء.. تعطل شغل العرافين وقراءة الفناجين

سعيدة الكامل سعيدة الكامل

.

حينما بدأت سنة 2020، علت الدعابات والعبارات والرسوم الكاريكاتورية وسائل التواصل الاجتماعي. ضحك المغاربة بنكتهم وأسلوبهم الساخر على بداية عام رأوا أنه حامل هموم لا هدايا. كان فيروس كورونا أكبر هم بدأ يظهر حينئذ أنه بلاء مقبل. عم الوباء العالم شهورا قليلة بعد ذلك، فسارع المغرب إلى اتخاذ إجراءات احترازية بشكل سريع. كانت الدهشة بادية على السياسة العالمية برمتها، ولم يكن من سبيل أمام المغرب سوى أن يعلن حالة الإغلاق الشامل في مارس من السنة الجارية في وجه المغادرة. ورغم السحابة الحزينة، فقد كانت العديد من علامات الأمل تبدد بعضا من قسوتها في بلد ظهر المعدن الأصيل لثقافة التضامن به حين اشتدت الأزمة. بادرت شخصيات وطنية ومؤسسات إلى المساهمة في صندوق كورونا، وظهرت لحمة شعبية فريدة بين المغاربة خففت من هول المآسي، «هذه اللحمة لم تتأثر ولم تخضع لتغير العهود، فهي موجودة سواء في عهد الحسن الثاني، أو الآن، وما يشبه المعجزة، هو أنه رغم المعاناة تظل تلك اللحمة قائمة. هي لحمة سوسيولوجية»، يقول عالم الأنتربولوجيا عبد الله حمودي في حوار لنا معه.

كانت الخسارة كبيرة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية في بلد قام بنقد لنموذجه التنموي، وأقرت أعلى سلطة فيه بعدم جدواه، في وقت بدأ فيه للتو يتلمس الطريق نحو نموذج جديد، فأتى رزء آخر كشف معاقل الضعف بشكل سافر. ورغم كل ما يقال عن ضعف النقاش العمومي، فإن شخصيات سياسية وهامات فكرية ساهمت في خلق دينامية للنقاش حول أعراض الوباء السياسية والحقوقية على المغرب، وأين تتجه خطاه، هل نحو مزيد من تكريس السلطوية، أم نحو انفراج سياسي؟ نقاش صحي وديمقراطي أسهمت هذه الجريدة بشكل كبير في خلق فضاء له من خلال مقالاتها التحليلية وعدد من الحوارات، وكان ما صدر على لسان العالم السوسيولوجي، محمد الطوزي، من كلام على صفحات «أخبار اليوم»، من بين أهم تلك النقاشات، حينما قال عن جدل الثقة إن «الوجهين حاضران بقوة، وكلاهما له رموز. وجه الأمومة، الذي من ضمنه القايدة حورية التي صار المغاربة يتغنون بها، وهو جانب الاحتضان، أي الدولة بصفتها محتضنة للناس وحامية لهم، وهو وجه حاضر. وهناك الجانب السلطوي الحاضر كذلك بقوة، لأن الدولة ليست فردا واحدا، وليست شخصية منسجمة. تنازع الدولة عدة مصالح وعدة تصورات وتمثلات».

ورغم كل الخسارات، تبقى خسارة الأرواح أكبر خسارة، فقد فقدنا في العام الذي يشرف على النهاية أهلا وأحبة وأصدقاء وجيرانا ورموزا ثقافية وسياسية وفنية وإعلامية، ماتوا في عام الوباء. سيتذكر الناجون هذا العام بوبائه الضارب، وكما سمعنا نحن وقرأنا عن أزمنة صارت تسمى بالكوارث التي حلت بها، سيبقى عالقا في التاريخ اسم هذا العام بوباء جعلوا له اسما يشير إلى رمز التاج، كورونا، لكنه تاج لا يزين قبحه. عام 2020 مليء بالدروس القاسية إنسانيا وسياسيا، قبل الوباء كان الحديث عن أزمة الديمقراطية، وفي عزه شاهدنا الأزمة تستفحل، وكيف أن الدول، التي كانت إلى أجل قريب رمزا للديمقراطية وحقوق الإنسان، شدت حزام سلطتها وأسهمت في التراجع، وكان البعض في بلدنا يمعن النظر فقط في القدر الذي يشفط من كأس الديمقراطية هناك ليبرر امتصاصه من حوضنا الناضب. وصار النزاع على سراب الهامش الديمقراطي؛ من يدق ناقوس خطر التراجع، ومن يريد الزحف بلا تراجع.

وتفتحت لغتنا على كلمة جديدة قفزت من القواميس إلى التداول الواسع، وهي كلمة الحَجْر. في الكلمة جانب قدحي، يستصغر قيمة المحجور عليه، كأنه قاصر أو غير ذي أهلية. هذه الكلمة العربية، التي قفزت للتداول، خلقت نفسية تواصلية تتشرب من معناها، ومن الصورة التي توحي بها؛ سلب الحرية قسرا والوصاية، ومن المعنى الصحي، أصابت الكلمة الحقل السياسي بعدوى الدلالة، حتى كاد لا يميز بعض دعاة التكميم بين حجر صحي وحجر سياسي يمنع فيه المواطن من حقه في التعبير عن رأيه، سواء عبر مجتمع مدني وسياسي ينطق باسم المصلحة العامة، أو بلسانه المباشر، أو بتغريده على فضاءات التواصل الاجتماعي، وكادت كمامة نهائية توضع على هذا الفضاء لولا يقظة الناشطين به، وإعلانهم رفض التكميم، إلى أن تراجع أصحاب قانون 20-22 عن مشروعه ووضعوه في الرفوف. مثل هذا السلوك، في مطلع الجائحة، كان يدل على أن الحجر في المغرب سيكون مزدوجا، فقوى الحجر لم يكن لديها الصبر الكافي، وسارعت بلهفة من يريد الانقضاض على ضحية مكبلة إلى محاولة تمرير السم مدسوسا تحت عباءة الأزمة.

حل الوباء في بلد تراكمت فيه الكثير من القضايا الحقوقية والإنسانية في السنوات الأخيرة، وتذكر كثيرون أهل الريف ومعتقلي الرأي، وانتظروا أن لحظة إنسانية، كلحظة الموت المتناثرة أخباره، قد تضمد الجراح المفتوحة.. لحظة يحتاج فيها المغرب إلى صلح مع الغاضبين والمنتقدين والصحافيين والمدونين والمتكلمين جميعا، لا إلى خصام يسمم الأجواء. خرج بعض معتقلي الحراك بعفو ملكي من سجون الحسيمة والناظور وطنجة، وعددهم مهم كانوا محكومين بعشر سنوات، وظلت الأماني تنتظر أن يشمل العفو الملكي آخرين. ونحن نتذكر المغيبين، جرى تغييب آخرين؛ عمر الراضي وسليمان الريسوني، صحافيان انضافا إلى الصحافي توفيق بوعشرين المحكوم بحكم ثقيل مدته خمسة عشر عاما، والذي قال فريق عمل أممي إن اعتقاله تعسفي، ومع ذلك استمر الاعتقال. وبين فرح بخروج البعض وحزن على دخول آخرين، لم يحجر هذا الزمن الموبوء على فرحة مغادرة حميد المهداوي، الذي أمضى بعض من آمنوا بقضيته ودافعوا عنه من حقوقيين وزملاء صحافيين ليلتهم أمام سجن تيفلت في انتظار فجر خروجه من السجن. كانت ليلة فرح أمام السجن، وفي صباحها جرى التحقيق مع عمر الراضي وسليمان الريسوني، وأغلق عليهما باب السجن، ومازال الملف لم يفتح أمام المحكمة ولم يطوَ.

والعام يكاد ينتهي، يفتح المغرب عينيه على تحول كبير في قضية الصحراء، حيث خطا خطوة متقدمة في هذا الملف الذي فتحنا عيوننا عليه، نحن الجيل الذي سمع الحكايات ممن شاركوا في المسيرة الخضراء، وكانت أول مرة يعيش هذا الجيل خطوة حازمة بدأت بفك حصار معبر الكركرات، وهي خطوة ربح فيها المغرب مساندة دولية حين ركز على مدخل ذكي يهم حرية عبور الأفراد والسلع، وهو الحق الذي تعد مصادرته إلحاقا للأذى بأطراف متعددة. ليأتي بعد ذلك، بفترة قليلة، الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، ولو أن بجانبه نقاشا حول صدوره في اللحظات الأخيرة من ولاية دونالد ترامب الرئاسية، إلا أن قيمته السياسية المتمثلة في صدوره عن أكبر قوة في العالم لها وزنها، بغض النظر عن تفاصيل أثر القرار على مجلس الأمن، والتي يستمر فيها النقاش بين رؤى مختلفة. شوش توازي هذا القرار مع الاتفاق الحاصل بين المغرب وإسرائيل على سماء الفرحة حتى لدى الطيف الواسع المرحب بالشق المتعلق بقضية الصحراء، واختلطت المشاعر، لأن الأمر يتعلق بقضية قريبة من وجدان المغاربة بدرجة قرب قضية الصحراء، وهي قضية فلسطين، وإن كان الجانب المغربي يركز على استمرار دعمه للقضية، بل ودعا الملك إلى عقد اجتماع للجنة القدس في الأيام القريبة بالمغرب.

الخوف من مآلات الاتفاق المغربي الإسرائيلي، والجدل الذي أُثاره بين المرحبين والغاضبين، والنقد الموجه إلى السلطة ورئيس الحكومة، ليست أمورا صادمة لمن يعرف أن قضية فلسطين تشكل لدى بعض المكونات الشعبية والسياسية جزءا من هويتها القومية والسياسية والإنسانية والإيديولوجية، حتى إن الكثير من الناشطين لا يكاد يسمع لهم صوت في قضايا حقوقية داخلية مقارنة بصدى حديثهم عما يتعلق بفلسطين، وهذه الحرية في الاختيارات يجب أن تبقى في حدود الاتفاق والاختلاف معها، ويجب احترامها، وإتاحة الفضاء ليعبر الجميع عن آرائه دون حجر على فريق دون فريق.

أيام ويودعنا العام المتوج بكورونا، حيث يجري الحديث عن شحنات اللقاح المرتقبة المتوجهة إلى المغرب، وعن سلالة جديدة ظهرت في نهايته كذلك. علَّمت كورونا الجميع أن الخطط والتنبؤات يجب أن يلفها الكثير من النسبية والحذر، فحتى أكثر مجالات الحقيقة قربا من اليقين، وهو العلم، هزت كورونا يقينيته، وأنهت الجائحة، فضلا عن فرص عمل كثيرة، شغل العرافين وقراءة الفناجين، وهي شريحة أخرى تنضاف إلى المعطلين.