محمد جليد يكتب: نزيف هجرة الأدمغة!؟

محمد جليد محمد جليد

.

في المنجزات الرمزية الكبرى، غالبا ما تأتينا الأخبار السارة من الخارج. قبل بضعة أشهر، استقبلت وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، بحبور طفولي، خبر تعيين العالم منصف السلاوي، ذي الأصل المغربي، على رأس فريق علمي لإنتاج لقاح كورونا في الولايات المتحدة الأمريكية. وبالأمس فقط، جاءنا خبر إشراف الباحث اللغوي المغربي المكناسي، عز الدين البوشيخي، على أكبر معجم للغة الضاد عبر التاريخ بقطر. وقبل هذا وذاك، تواردت أخبار كثيرة عن علماء مغاربة كثيرين، منهم مريم شديد وكمال الودغيري وعدنان الرمال، تميزوا في هذه البلاد أو تلك. أما الداخل، فكأنه الأرض التي لم تزرع أبدا.

تكشف الأرقام أن الجامعات والمعاهد والمدارس العليا تخرّج نحو 8 آلاف خبير في السنة. لكن نحو 20 في المائة منهم، حسب الإحصائيات الرسمية، يختارون بعد تخرجهم ركوب أول طائرة إلى الخارج. وقد اعترف وزير التربية الوطنية والتعليم العالي، سعيد أمزازي، في تصريحات أوردتها صحيفة «ليكونوميست» مطلع سنة 2019، بأن أكثر من 600 مهندس مغربي يغادرون بلدهم إلى المهجر الأوربي أو الأمريكي. والنزيف في صفوف الأطباء والأساتذة وذوي الكفاءات العليا في المهن الأخرى أفدح بكثير من هذا الرقم.

قد نجد في ثنايا النجاح الذي حققه البوشيخي قبل أيام بالدوحة القطرية، أو السلاوي بأمريكا، بعض الأسباب الكامنة وراء هذا «الهروب» الجماعي. «حتى قط ما كيهرب من دار العرس»، كما يقول المثل المغربي. لكن «دارنا» هذه مغلقة في وجه جميع «قطط» الإبداع والتجديد والابتكار والاكتشاف العلمي… لا تستقبل في الوقت الراهن إلا المتأتئين ومن بهم عي وفهاهة لا يعالجان، وتلفظ العلماء والمبدعين والخطباء المفوهين، الخ.

لنتحدث عن المسألة اللغوية، مثلا. عندما ترى رجلا يفتقر إلى كل المؤهلات العلمية التي يستدعيها الحديث في قضية خطيرة كهذه هو من يقود النقاش الوطني حولها، وعندما تخلص إلى أن المواقف العلمية والآراء السديدة التي عبر عنها مفكرون متخصصون، من أمثال عبد الله العروي وعبد القادر الفاسي الفهري ومحمد بنيس وغيرهم، ضرب بها عرض الحائط في أول منعطف بزنقة ابن حجر، وعندما تجد الوزير المسؤول عن قطاع كل ثروته الرمزية هي اللغة به عيّ واضح، فإنك ستدرك، لا محالة، السبب الذي دفع بالبوشيخي وأمثاله إلى سلك طريق الهجرة.

وإذ تبدو أسباب هجرة الأدمغة ودوافعها واضحة، فإن سياسات الحكومة لا تركز على هذه المشكلة، بل يتضح، يوما بعد يوم، أن هجرة الكفاءات تتخذ طابع قطاع أعمال تجارية، المستفيد منه فرنسا وكندا وألمانيا، الخ. ألم تقل المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، في مؤتمر بمراكش أواخر سنة 2018، إن «الهجرة الشرعية تحقق الرخاء الاقتصادي»؟

ثمة ما يشجع على شيوع هذه النظرة التجارية إلى قضية هجرة الكفاءات. فعندما تهلل وسائل الإعلام بالنجاحات التي يحققها مغاربة المهجر -وهو أمر غريب بالفعل- فإن الفكرة التي تسود بين الناس هي أن «دار العرس» جحيم فعلي، وأن المهجر أعز ما يُطلب، بدل أن يتأسف الناس لأن نجاحات هؤلاء المغاربة المهاجرين تخدم الآخرين، في الوقت الذي ينبغي أن تكون رهن إشارة الدولة المغربية ومشاعا للمواطنين المغاربة. انظروا الآن إلى هذا الصمت الإعلامي بالمغرب تجاه ما يقوله ويفعله منصف السلاوي. لا أحد يتابع اليوم تصريحات هذا العالم «المغربي»، لأن الرجل لا يعبر عن مغربيته، وإنما كل همّه اليوم هو الحرص على صحة الأمريكيين، وضرورة استفادتهم من اللقاحين الرائجين الآن في بلاد العم سام. بعض التريث مطلوب قبل التهليل، يا سادة، وليكن مهلة للتفكير في ذواتنا ومصالحنا!

سيقول قائل إن السلاوي، لو بقي في المغرب، لما حقق هذا النجاح «الباهر». ليت هذا القائل يعلم أن في طيات مثل هذا الرأي ما ينبغي أن يدفعنا إلى مراجعة إيديولوجيا ما يسمى عندنا «مغاربة العالم». لقد حولت هذه الإيديولوجيا «المغاربة المقيمين في الخارج» إلى مجرد سياح صيفيين، أو محافظين على صلة الأرحام، في أحسن الأحوال. وحتى ما يسمى بـ«القوة الناعمة» في قاموس هذه الإيديولوجيا لا أثر له اليوم إلا في حالات نادرة. وأبرز مثال قد يُضرب في انعدام هذه «القوة» -أو لاجدواها بالأحرى- لامبالاتها المطلقة تقريبا في ما يتصل بقضية الصحراء المغربية، في أحداثها الأخيرة خصوصا. أما الحديث عن العائدين منهم إلى المغرب، من أمثال منصف بلخياط، فلا حرج في القول بكل أريحية بانعدام قيمته وفائدته. إذ الهم الأساس عندهم هو الهرولة، لا تعميم خبراتهم -إن وجدت طبعا- والإسهام في بناء الوطن.

لننظر بجدية إلى هذا النزيف!