محمد جليد يكتب: ثلوج بيضاء.. وحياة سوداء!

محمد جليد محمد جليد

.

ينشر كثير من رواد الفايسبوك، هذه الأيام، صورا تسجل سفرهم إلى مناطق تشهد تساقطات ثلجية وتحتفي بمشاهدة الثلوج، وهي ذكرى قلما تتحقق فعلا في حياة كثير من المغاربة. لا شك أن هذا الاحتفاء أمر منطقي، لأن بياض الثلج فاتن وساحر، ونُدَفُهُ تغري بالمشاهدة، وهي تتهادى في تبختر إلى الأرض. ويصير منظرها أكثر إغراء عندما «تبرك» وتتراكم، فيتحول سحرها إلى سطوة لا تقاوم.

لكن هذا الأبيض الجميل والساحر، في عيون البعض، يضمر تسلطا وتجبرا شديدين، بما يمارسه من قهر على قرى الأعالي في الأطلس والريف. يتحول أهاليها طوال أشهر الشتاء إلى محتجزين لا يعانون البرد فحسب، وإنما يواجهون الجوع والعري والشح وقلة ذات اليد، بل والمجهول، إذ يتربص بهم الموت على امتداد أسابيع. فتحول الثلوج البيضاء الرائعة حياتهم إلى سواد قاتم.

لا يعرف تفاصيل هذا العذاب إلا من ينتمي إلى جبلّة الجبليين مثلي، أو ينحدر من صلبهم، أو من شاءت الصدف أن تداهمه الثلوج بين الفجاج. لا يعرف هذا فعلا إلا من سالت الدماء، بفعل الزمهرير، من «شحمات» آذانهم وأرنبات أنوفهم وجلود أصابعهم وظواهر أيديهم، الخ. أذكر، وأنا تلميذ في المرحلة الابتدائية، أن أحد معلمينا، وهو بالمناسبة والد زميلنا بلال مرميد، أطال الله في عمره، طردنا بـ«حميديته» في صباح قارس، ونحن مصطفون أمام قسمه، متوعدا إيانا: «واش كيقرا شي حد في هذ النهار!». لم يصرفنا لكسله أو عدم رغبته في التدريس، إذ كان معلما مجدا متفانيا، بل رأفة بنا ربما لأنه رأى في عيوننا حجم الغصة الناتجة عن ترك أفرشتنا الدافئة في صبيحة جامدة كتلك.

في البلدة ذاتها التي ترعرعت بها، كان الموت، ولايزال إلى اليوم، يضرب موعدا قارا مع الناس، خاصة كبار السن. هي ظاهرة غريبة فعلا، لا تفسير لها سوى شدة البرد التي تفتك بأصحاب المناعة الضعيفة. تحول الموت جراء البرد، مع مرور السنوات، إلى طقس معتاد عند كل هذه المجتمعات الجبلية التي تصير معزولة تماما عن العالم خلال فصل الشتاء. لكننا لم نعرف حجم المأساة التي يعيشها مئات الآلاف من المواطنات والمواطنين بصورة أوسع إلا عندما استفقنا في أحد صباحات سنة 2007 على فاجعة دوار أنفكو وبني رزين التي أثارت ضجة إعلامية كبيرة. حينها، ضرب الموت موعدا مع عشرات الأطفال، حيث حصد في ليلة واحدة أرواح أكثر من ثلاثين طفلا.

ورغم هول الفاجعة، التي واكبتها وسائل الإعلام الوطنية والدولية حينها، فإن هذا الأبيض الجميل مازال يفتك بالمئات، كأن الثلج -هذا الشفاف الرائق، كما يراه الكثيرون عبر صور الفايسبوك ومشاهد التلفزيون- يقتبس الموت من سواد الغيوم ويوزعه بطريقته على الناس. ينطوي صفاؤه على الشر، ويتحول سحره إلى سم تتجرعه الأنفس شيئا فشيئا حتى يفنيها. كلنا نتذكر راعي الغنم، حميد بعلي، الذي كان آخر ضحاياه، بعدما دفنته الثلوج العام الماضي على سفح جبل بويبلان.

ورغم حجم المآسي المتكررة سنويا، لم تبذل الحكومة، حتى الآن، الجهود المنتظرة لإنقاذ أرواح الناس من أنياب الموت بردا. لم تشق طرقا جيدة، ولم تبن مستشفيات أو مستوصفات، ولم تؤسس فرقا للتدخل والإنقاذ، ولم تساعد الناس على توفير مواد الطاقة، ولا على بناء مساكن لائقة وواقية من العواصف الثلجية، الخ. مازال المواطنون في قرى الجبال المحيطة بأوريكا يحملون المرضى والزوجات الحوامل في محامل الموتى إلى الطرق القريبة من أجل نقلهم(ن) إلى مستشفيات مراكش. ولايزال الناس في أيت بوغماس أو تامجيلت يواجهون المجهول عندما تحاصرهم الثلوج داخل بيوتهم الطينية المتداعية لأسابيع قد تمتد إلى شهور، فيما قد تنقطع المواصلات حتى في مدن الأطلس الكبرى، مثل إفران وميدلت وخنيفرة، أياما دون أن يؤمر بتدخل كاسحات الثلوج.

لن تستطيع الحكومة أن تردع هذا الثلج الآثم، طبعا، أو توقف فواجع شتائية يمليها القدر، لكن عليها أن تنصف أهالي الجبال، بأن تصالحهم وتنصفهم وترد لهم جزءا من الخيرات المنهوبة من بلادهم على امتداد عقود. نقدم هنا مثالا واحدا فقط، يتصل بأشجار الأرز التي كانت تغطي بويبلان على سفحيه الشرقي والغربي.

لم يستفد سكان القرى المنتشرة على السفحين من عائدات هذا الشجر، الذي يمتاز بجودة عالية، ويباع في الأسواق المحلية والدولية بأسعار باهظة.

كان، ولايزال، بمقدور الحكومة أن تحول هذه المناطق إلى فراديس سياحية، وأن تجعلها قادرة على توفير عيش قار. بمقدورها أن تعمم نموذج إفران على باقي المناطق الجبلية، من مشارف مدينة جرسيف حتى السفوح المطلة على تارودانت. يكفي فقط أن تتخلص من هذه النظرة الاستعمارية التي ترى في هذه المناطق «مغربا غير نافع»، وأن تشجع أثرياءنا على الاستثمار فيها.