منير أبو المعالي يكتب: وجبة عشاء خارج البرلمان

منير-ابو-المعالي منير-ابو-المعالي

الرأي

خاطبني نائب في برلمان، وهو يلوح بيده اليسرى في حركة غير مبالية: «لقد حصلتم على ما تريدون. لن يحصل أي نائب من الآن فصاعدا على معاش تقاعده. يمكنكم الشعور بالارتياح الآن». قالها وفي حلقه حلاوة تشوبها مرارة. ثم أضاف: «على كل حال، أنا أصرف ذلك المبلغ، في كثير من الأحيان، على وجبة عشاء واحدة».

إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل الأموال التي تُنفق على حساب تقاعد أعضاء البرلمان هي أموال دافعي الضرائب، فإن تصفية الحساب هي، دون أدنى شك، أكبر مثل عن التحولات الجارية في الإنفاق العام. ولإعطاء صورة واضحة عن هذا النظام، نقدم الأرقام التالية؛ في عام 2016، دفع حساب تقاعد أعضاء مجلس النواب -ويديره الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين وهو فرع لصندوق الإيداع والتجهيز- 58.65 مليون درهم لفائدة 734 نائبا سابقا. في ذلك العام، بالكاد وصل مبلغ الاشتراكات والمساهمات في نظام تقاعد النواب إلى 27.40 مليون درهم.

في العام نفسه، أي 2016، دفع صندوق تقاعد أعضاء مجلس المستشارين 45.13 مليون درهم لفائدة 276 عضوا سابقا. يمثل مجلس المستشارين وحده مشكلة في الطريقة التي يدار بها حساب التقاعد، فقد أدت عملية تقليص أعضائه عام 2015، من 270 عضوا إلى 120 عضوا، إلى أكبر عملية دفع قسري نحو صندوق تقاعده. ومن الطبيعي، تبعا لذلك، أن يكون المبلغ المدفوع في عام 2016 يزيد أكثر من مرة على ما كان يُدفع من قبل. على سبيل المثال، لم يدفع صندوق تقاعد أعضاء مجلس المستشارين، عام 2015، سوى 20.21 مليون درهم لفائدة أعضائه المحالين على التقاعد. سيصبح صندوق تقاعد المستشارين مثقلا عاما تلو عام؛ في 2019، سيدفع معاشا لفائدة 355 مستشارا سابقا. كان في 2014 يدفع معاش التقاعد لـ186 مستفيدا فحسب.

لنبسط أكثر هذه الأرقام؛ في كل عام، كان الأفراد المستفيدون من صندوق تقاعد مجلسي النواب والمستشارين يحصلون على حوالي 80 مليون درهم؛ ثمانية ملايير سنتيم، أي ما يقرب من ثلث الميزانية العامة لمجلس المستشارين، أو ما يقرب من خمس الميزانية العامة لمجلس النواب. وبالمقارنة بحجم الاشتراكات، وأخذا لعدد المستفيدين -في المجلسين- في الاعتبار، لا غرابة، إذن، إن أثقل كاهل الصندوق بدين هائل وصل، في غضون أربع سنوات فحسب، إلى 180 مليون درهم. أي ما يعادل نصف الميزانية العامة لمجلس المستشارين.

لم يخترع البرلمان تقاعد أعضائه، وإنما كل ما فعله هو أنه وضعه خارج السيطرة، حيث حمل الصندوق إلى نهايته المنطقية. ورغم تولي صندوق ذي صيت وجدارة زمام أموره، فإنه، منذ 2011، أصبحت الآلة أكبر من مسيريها. بقي الصندوق يصرف معاشات تقاعد أعضاء البرلمان حتى نهاية 2017، ثم توقف عن فعل ذلك لفائدة أعضاء مجلس النواب، لكنه صرف العام الفائت 39 مليون درهم لصالح 355 عضوا سابقا في مجلس المستشارين.

في 2017، أعلنت الحكومة أنها لن تتدخل في أي عملية لإنقاذ صندوق تقاعد أعضاء البرلمان، وفي ذلك العام، كان 625 عضوا سابقا في البرلمان -وفقا لتقرير الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين- قد حصلوا على 79 مليون درهم معاش تقاعد.

والحق أن فكرة تصفية صندوق تقاعد أعضاء البرلمان ليست إلا اختراعا سياسيا محضا. لم يكن يملك ذلك الحساب فرصة للصمود بتاتا. لكن المناقشات المستترة التي أحيطت به كانت أعظم هدية جادت بها الطبقة السياسية للأفراد الذين ينظرون بكثير من القلق والحنق إلى تزايد مظاهر الشعبوية في أعمال البرلمان. كانت المؤسسة التي تدير حساب تقاعد أعضاء البرلمان قد منحت النوابَ وصفة جديرة بالاهتمام لإنقاذ الصندوق. كانت الأفكار بسيطة لكنها ملهمة؛ ألا يحصل أي عضو سابق على معاش تقاعد حتى يصل عمره إلى 65 عاما، وأن يجري تخفيض قاعدة حساب تعويض المعاش كل عام من ألف درهم إلى 700 درهم، على أن يبقى حجم الاشتراكات كما هو. لم يهتم البرلمانيون أنفسهم بمواجهة هذا الأمر، وتراهم فضلوا أن يتجاهلوه. كانت اللامبالاة مسيطرة.

القضية محسومة في الوقت الحالي. لكن، وقد بات تقاعد أعضاء البرلمان من الماضي، كيف لنا أن نفهم أكثر ما يجعل غالبية الأفراد متحمسين لتقليص تكاليف السياسيين الذين يُمثلون السكان في مؤسسات الدولة؟ بالكاد يمكن أن يشعر الأشخاص أنفسهم بالغضب حين توزع معاشات تقاعد بشكل استثنائي على جيش صغير من الأفراد الذين خدموا الدولة في وقت من الأوقات. ثم، ما قيمة 5 آلاف درهم كل شهر بالنسبة إلى نائب واسع الثراء؟ يكشف التساؤل طبقة من نظام عمل يجري إخفاؤه داخل البرلمان. كيف ذلك؟ لنطرح سؤالا آخر: ما هي مهن أعضاء البرلمان؟ يمكنكم البحث بجهد، وفي الغالب، لن تعثروا على شيء ذي فائدة. تحولت مهن النواب والمستشارين إلى سر صغير يجري كتمانه عن الجميع. على خلاف ذلك، يطرح البرلمان الفرنسي، على سبيل المثال، جداول إحصائية تشمل البيانات المهنية لكافة أعضائه. بنقرة واحدة، يمكنكم الحصول على ما تشاؤون. في البرلمان المغربي، يمكنكم الحصول على صور النواب وأسماء دوائرهم وأحزابهم. لا شيء آخر.

في مجلس النواب الفرنسي، يوجد 50 رجل أعمال، أي 8.67 من العدد الإجمالي، و20 نائبا يمارسون أعمالا حرة، أي 3.47 من المجموع. يسيطر على ذلك المجلس العاملون الأطر في القطاع الخاص، والموظفون، ومهنيو التعليم. وبمنظور مقارن، نستطيع أن نقدر حجم هاتين الفئتين في مجلس النواب المغربي. بدلا عن «رجال أعمال»، يفضل المغاربة تسمية «تجار». في 2016، مدت وزارة الداخلية بعض وسائل الإعلام ببيانات جزئية كشفت ما يلي؛ 24 في المائة من أعضاء مجلس النواب تجار، و14 في المائة يمارسون أعمالا حرة. الأعمال الحرة عادة ما تشير إلى مهن مزدهرة تسندها مكاتب وشركات. الموظفون والعاملون الأطر في القطاع الخاص يشكلون جماعة صغيرة في مجلس النواب.

ماذا يعني ذلك؟ إن مجلس النواب يسيطر عليه الأفراد الذين، في غالب الأحوال، لا يشكل راتب تقاعد زهيد شيئا جديرا بالقلق بالنسبة إليهم. ما يجب أن ننتبه إليه حقا، ونحن بصدد وضع البرلمان تحت المجهر، هو ما إن كانت هذه الجماعات الوظيفية وهي تستأسد على مقاعده، ليست سوى قناع لجهات الضغط في الاقتصاد المحلي. لقد كتبت عن ذلك بتفصيل في مرة ماضية، ومن الواضح أن الفكرة يمكن إغناؤها كل مرة بأمثلة جديدة.

في اجتماع للجنة العدل والتشريع، انعقد الشهر الفائت، حول قانون هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة، وجد وزير الاقتصاد والمالية نفسه محاطا بجمع من النواب الغاضبين يعملون كلهم في قطاع المحاماة. كان المطلب الوحيد لديهم هو ألا يمر بند يسمح بتفتيش مكاتب المحامين من لدن تلك الهيئة. ولقد نجحوا في تحقيق ذلك. ولم يهتم أحد بما حدث.