عادل بنحمزة  يكتب: معاشات البرلمانيين.. القشة والبعير!

البرلمان البرلمان

.

يثير موضوع نظام معاشات البرلمانيين منذ سنوات، نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام؛ لكن النقاش هذه المرة تزامن مع برمجة مجلس النواب حزمة من مقترحات القوانين تهم هذا النظام، سواء في اتجاه الحفاظ عليه مع تعديل إطاره القانوني أو في اتجاه تصفيته نهائيا، وهذا هو الراجح بعد اجتماع لجنة المالية الأسبوع الماضي. هذا النقاش حيوي جدا بالنسبة إلى الديمقراطية ببلادنا، خاصة إذا نجح في النفاذ إلى عمق الموضوع، بدل التوقف عند بعض المظاهر الخادعة والسهلة؛ سواء من جهة المطالبين بإلغاء هذه المعاشات أو من جهة المؤيدين لاستمرارها، لأن ما يمكن أن يفقِد هذا النقاش قيمته في هذه اللحظة التي تجتازها بلادنا، هو اعتقاد البعض أنه يمكن أن يحشر الآخر في الزاوية وانتهى الموضوع.

 قبل سنتين كتب الأستاذ عبداللطيف وهبي مرافعة طويلة وعميقة نشرتها “أخبار اليوم” بخصوص ما يمثله الإطار القانوني لمعاشات البرلمانيين، سواء الحالي أو المقترح الذي تقدمت به أغلب الفرق النيابية في مجلس النواب من خرق للدستور، وهي في اعتقادي عريضة جاهزة لمن يرغب في الطعن في كل مقترح يرمي إلى تمديد آجال العمل بالصندوق إذا جرى المضي إلى الآخر في مسطرة التشريع الخاصة به أمام المحكمة الدستورية، أهم ما أثاره وهبي في مرافعته هو التساؤل الصريح عن الأساس الدستوري الذي يؤطر مساهمة الحكومة في معاشات البرلمانيين، فهذه المساهمة عندما تقوم بها الحكومة لفائدة موظفيها، فإنها تفعل ذلك كمشغل، فهل في نظام دستوري قائم على فصل السلط (ولو نظريا) يمكن قبول بمثل هذه المساهمة؟ وهل يجوز للسلطة التنفيذية التعامل مع أعضاء السلطة التشريعية بمنطق الباطرون مع مستخدميه؟ هذا الأمر جوهري وأساسي فيما يتعلق بهذا الموضوع، لكن ليس بالتأكيد هذا هو الوجه الوحيد للصورة في موضوع المعاشات، البعض يرى فيها مجرد ريع أو إن العمل البرلماني ليس وظيفة يمكن أن يترتب عنها معاش بعد عمر طويل أو قصير، بل هي مهمة تطوعية نضالية. وجهة النظر الأخرى تعتبر أن تحصين البرلماني ماديا وتمكينه من مستوى عيش مقبول، عامل مساعد في استقلاليته عن باقي السلط، بما يمكنه من النهوض بمهامه الدستورية سواء على مستوى التشريع أو الرقابة أو تقييم السياسات العمومية على أكمل وجه، لكن يبقى السؤال، هل هاته مشروطة بتلك؟ التعويض عن المهام هو أمر مفروغ منه، وهو حال كل البرلمانات في العالم، لكن في موضوع المعاش هناك تجارب مختلفة تماما والغالب أن البرلمانيين لا يتوفرون على معاش بعد نهاية مدة انتدابهم.

 المواطن اليوم له حساسية كبرى من كل أوجه الاستفادة من المال العام، سواء أكانت هذه الاستفادة بطرق مشروعة أو بطرق غير مشروعة، وبغض النظر عن القيمة المالية لمعاشات البرلمانيين التي تساوي مجرد ملاليم أمام تكلفة الفساد ببلادنا والمقدرات المالية، والتي تتصرف فيها مؤسسات عمومية، بل مديريات في بعض الوزارات، فإنها في حالة مؤسسة البرلمان برمزيته تجعلها غير مقبولة اجتماعيا وسياسيا، وهذا الموقف الذي قد يظهر سلبيا للوهلة الأولى من قبل المواطنين تجاه البرلمان، فإنه على العكس من ذلك يُظهر اهتمام الرأي العام بمؤسسة البرلمان كسلطة تمثل الشعب، وأنه لازال يراهن عليها كي تلعب أدوارها، لكن لكي تقوم بذلك عليها أن تكون محررة من فتات السلطة وأوهام المال، حيث ساعتها يمكن استرجاع عدد كبير من النخب التي جرى احتواؤها بمنطق الجزرة.

 بعض البرلمانيين والسياسيين يعتبرون هذا النقاش مجرد حملة لتصفية الحساب كالعادة مع المؤسسات المنتخبة والمنتخبين بصفة عامة، وأن ذلك ينطوي على خلفية غير ديمقراطية، هذا كلام جميل وفيه جزء من الحقيقة، لكن مصداقيته ضعيفة في ظل استمرار نظام المعاشات، ولهذا بالضبط يجب تحرير البرلمان والبرلمانيين من هذا العائق الذي يفقدهم المصداقية ويجعلهم في مواجهة مع الرأي العام ويمنعهم من طرح قضايا الريع الكبرى ووضع الأصبع على المؤسسات والكيانات التي تغرق في الفساد منذ عقود ولا تجد من يتحدث عنها، فإذا لم يفعل البرلمانيون ذلك.. ترى من سيقوم به؟

المخاطر التي تحيط بهذا النقاش هي أنها تشرعن نمطا في الحكم قائم على “البلوتوقراطية”، التي تعني هيمنة الأثرياء على السلطة وتعاظم دور المال في الحياة السياسية، وهو ما نشهده في بلادنا بشكل متزايدة منذ سنوات، بحيث تصبح معه المساواة في الترشح للانتخابات وممارسة السياسة، مجرد إمكانية قانونية نظرية لا يسندها الواقع، فالأثرياء هم الأقدر على استعمال هذا الحق، لذلك نرى كيف يتم التيسير لهم في بسط اليد على الأحزاب والمؤسسات المنتخبة التي تبقى “ضرورية” للواجهة الديمقراطية، فهل يكون موضوع معاشات البرلماني بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؟