مغرب ما بعد كورونا…سيناريوهان لكن كفة التوجس تغلب!

متعافين من كورونا متعافين من كورونا

.

منذ أن ألقت الجائحة بظل تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على المغرب، وعيون مختلف الفاعلين تحاول أن ترسم صورة عن المغرب وليد كورونا؛ المغرب الذي سيخرج من رحم هذه الأزمة.. فما هي ملامحه؟ وكيف سيتعافى مما خلفته الجائحة؟ وبأي وجه ستلقى الأحزاب منتخبيها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟ وبأي آليات ووساطة يدخل المغرب مرحلة جديدة ملغومة بالاحتجاجات التي قد تذكيها الأزمات الاجتماعية الطارئة بسبب كورونا؟

على المستوى السياسي، لم تنفلت أغلب التحليلات التي تترقب الآتي من وقع اللحظة المأزومة التي فرضتها كورونا، ومن ضمنها الخطابات الملكية الأخيرة التي أولت الأهمية لمعالجة أهم المشاكل التي عرتها كورونا في السياسات الاجتماعية، فركز الخطاب الأخير على التغطية الاجتماعية ومشروع تعميمها على كافة المغاربة، والذي يرتكز أساسا على تعميم التغطية الصحية الإجبارية وتعميم التعويضات العائلية لتشمل حوالي 7 ملايين طفل في سن الدراسة، وتوسيع الانخراط في صندوق نظام التقاعد لحوالي 5 ملايين من المغاربة، وتعميم الاستفادة من التأمين على فقدان الشغل بالنسبة إلى المغاربة الذين لا يتوفرون على عمل قار، وهو المشروع المجتمعي الذي لا يمكن أن ينجح دون “اعتماد مبادئ الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن تعطي مؤسسات الدولة والمقاولات العمومية المثال في هذا المجال، وأن تكون رافعة للتنمية وليس عائقا لها”، وفق ما ورد على لسان الملك محمد السادس في افتتاح الدورة التشريعية، ولعل إشارته إلى دور مؤسسات الدولة التي يمكن أن تلعب عائقا في التنمية أدل على أن وضعية المؤسسات ليست بخير، وأن المغرب الذي يداوي آثار الأزمة لن يكون خروجه منها سهلا بمؤسسات ليست في حجم تحديات المرحلة المقلبة في نظر الكثير من المحللين.

 التدابير الاجتماعية لا تداوي بلدا أًصيب مجاله السياسي والحقوقي بضرر

“المغرب الذي ستنجبه أزمة كورونا سيكون في وضعية صعبة، والخطير أن الأمر ليس مرهونا بالمستويين الاجتماعي والاقتصادي، فاجتماعيا واقتصاديا يمكن أن نتحدث عن أن بلدان العالم كلها تقول إن هناك آثارا اقتصادية واجتماعية عليها، الخطير جدا هو الآثار الحقوقية والسياسية”، يقول محمد حفيظ، القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، في حديثه لـ”أخبار اليوم”، مفسرا أن الذي يميز في درجات تأثيرات أزمة كورونا بين الدول، التي وإن عانت أزمة اجتماعية، لكن لم يطرح لديها الإشكال الحقوقي والسياسي في العلاقة بأزمة كورونا، قائلا: “يتحدثون في إسبانيا وفرنسا وبريطانيا مثلا دائما في المستوى المالي والاقتصادي وآثاره الاجتماعية، لكن لا يمكن أن تمس الجوانب السياسية والحقوقية، وهذا ما يشكل عامل طمأنة مهما احتدت الأزمة في تلك البلدان، وحتى من لهم آراء مختلفة عن الدولة في تدبير أزمة كورونا لم يمنعوا من التعبير عن آرائهم، ولم يمنعوا من الاحتجاج والتعبير عن مواقفهم، في حين أن الخطير في المغرب هو أنه في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، تعاملت الدولة وكأنها لحظة يجب استغلالها للمزيد من الحد من الحريات وهذا هو الخطير”. هذا الرأي ليس الوحيد الذي طفا ضمن تحليلات سلوك الدولة مع المجالين السياسي والحقوقي، فالعديد من الأصوات ترى أن إلحاق الضرر بالجانب السياسي والحقوقي لن يمكن المغرب من أن يعالج إشكالاته السياسية والاقتصادية، لأنه بـ”السياسة والحقوق تتم مواجهة هذه التداعيات. الذين يعتقدون العكس يفتحون المغرب أمام جحيم، فأخطر ما يمكن أن يتعرض له المغرب هو هذا. في لحظة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ما يمكنه أن يقيم التوازن وينقذ البلد هو الجانب السياسي والجانب الحقوقي. أن تشتغل الأحزاب والنقابات والنخبة، فهذا ينفس الأزمة؛ أما إذا جرى إغلاق هذه المجالات، فهؤلاء سيفتحون على المغرب باب جهنم”، يقول حفيظ.

 سيناريوهان.. لكن كفة التوجس تغلب

لا يمكن للأوضاع الاقتصادية ألا يكون لها أثر على المشهد السياسي المقبل، خاصة وأن ما جرى تسجيله من ركود اقتصادي هذه السنة كان هو الأشد منذ حوالي 24 سنة، وهنا يرى الناشط المدني والسياسي، أحمد عصيد، أن هناك سيناريوهين اثنين؛ سيناريو المتفائلين الذين يرون بأن التجربة المريرة لكورونا قد تجعل المغرب يخطو خطوة حاسمة نحو تجديد تعاقده الاجتماعي، وتفعيل أوراش الإصلاح الكبرى والنهوض بقطاعي الصحة والتعليم، ومعسكر المتشائمين الذين يعتبرون أن كورونا ستسمح، عكس ذلك، بإحكام قبضة السلطوية على الدولة والمجتمع، ووضعية الديمقراطية وحقوق الإنسان، في نظره، تتوقف على الاتجاه العام الذي سيتم اختياره، الإصلاح الفعلي أو تقوية السلطوية، يرجح عصيد هذا الاحتمال الثاني، و”في هذه الحالة قد تعيش حقوق الإنسان محنا إضافية ويتعثر الانتقال نحو الديمقراطية، أما جوهر المشكل، والذي هو تدني الوعي لدى المواطن بسبب السياسات المعتمدة، فقد لا يكون له حل قريب، ما سننتظر معه أشكالا من النكوص الاجتماعي المرتقبة”.

وفيما يتعلق بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فـ”إذا سمحت الظروف بتنظيم انتخابات في حينها، فلن يكون هناك أي طرف مستعد لها فعليا، كل ما يشغل المشهد الحزبي والسلطة حاليا، حسب ما يبدو، هو الرغبة في التخلص من البيجيدي الذي لم يوفق في نسج تحالفات مبنية على الثقة، والمشكل أن هذا الأخير بذل كل جهوده لتنفيذ قرارات السلطة بدون تردد”.

 “صمام الأمان” ليس في مأمن من تداعيات الجائحة

حتى المحللون الأكثر تفاؤلا أبدوا تخوفهم من ارتفاع الاحتقان الاجتماعي، ومن ضمنه إنهاك الطبقة الوسطى التي تشكل، في نظر المحلل السياسي عبدالرحيم العلام، “صمام أمان”، وفي حالة “خروجها غير راضية عن كيفية تدبير الدولة لزمن الجائحة، فهذا قد يفتح المجال أمام احتجاجات دائمة في نظره”، وهو الرأي الذي يشاطره فيه حفيظ أدمينو، القيادي في حزب الاستقلال والأستاذ الجامعي، قائلا: “الطبقة الوسطى ستتضرر، ونعلم أنها صمام أمان المجتمعات كلها، هي أيضا تتحمل أعباء أسرها وتخفف من هذا الضغط الاجتماعي، أتصور أنه في إطار هذه الجائحة ستتضرر بشكل كبير”، مستدركا أن الضرر الاجتماعي قد تغطيه الإجراءات الاجتماعية التي أعلن عنها الملك في آخر خطاب له، ليضيف فيما يتعلق باحتمال تزايد الاحتقان الاجتماعي عموما: “أتصور أن الاحتقان الاجتماعي في أساسه مرتبط باتساع رقعة الفئات الفقيرة والمهمشة، والأرقام التي تكلم عنها جلالة الملك في خطابه، وهو أنه في أفق نهاية السنة أن نصل إلى 23 مليون شخص يستفيد من التغطية الصحية الإجبارية، وهذا بطبيعة الحال رقم كان يمكن أن يستغل من طرف هيئات أو نقابات كحطب لهذا الاحتجاج، كذلك التدابير المرتبطة بتعميم التقاعد، إذا تم تنفيذ هذه التدابير بالرؤية التي وضعها الملك، فأتصور أن نسبة هذا الاحتقان ستقل، خاصة وأن ظاهرة الاحتجاجات التي عرفتها مناطق كثيرة في المغرب لم تكن في جوهرها سياسية، بل كان جوهرها اجتماعي واقتصادي”.

مرحلة ما بعد كورونا ستكون لحظة صعبة من حيث الرهانات المطروحة عليها، سواء فيما يتعلق بتجاوز ما ميز دائما المشهد السياسي والحقل الحزبي المغربي، أو من ناحية كونها سنة من المفروض أن تنتج إجابات وحلولا للوضعية التي أنتجتها ظرفية كورونا؛ رأي أجمع عليه العلام وعصيد وأدمينو، وهذا الأخير يضيف: “فيما يتعلق بالاختيارات الكبرى، فجزء منها حدده الملك في الخطابات الكبرى، ابتداء من خطاب العرش وخطاب ثورة الملك والشعب والخطاب الأخير لافتتاح الدورة التشريعية، إذن فيما يتعلق بالاختيارات الكبرى للإصلاح الاجتماعي، لا يمكن لأي حكومة أو حزب سوى أن يشتغل في إطار هذا المنظور الذي وضعه الملك، منه مثلا تعميم التغطية الاجتماعية في نهاية 2020. مشاكل الواقع الاقتصادي من الصعب أن تجيب عنها أي حكومة في سنة أو سنتين، وستستمر تداعيات الأزمة لسنوات، فلا بد أن يستحضر الفاعل السياسي ضرورة معالجة هذه الحاجيات. هناك خطر مرتبط وسيبقى حاضرا ويرتبط بتدبير الجائحة، فليس هناك أفق واضح حول نهايتها، هناك الحديث عن اللقاح، صحيح، نأمل ذلك، لكن تدبير العمل السياسي والعمل الحزبي واستشراف أيضا اللحظة الانتخابية؛ كل هذا لا يمكن إلا أن يستحضر هذا المعطى حول احتمال استمرار الوباء وانتشاره، وهذا يسبب القلق النفسي للمواطنين، وهو قلق مشروع؛ نفسيا قد يؤثر على المشاركة الانتخابية والسياسية بصفة عامة”.