سعيدة الكامل: كل سلطوية بما فيها تنضح

A1599D6E-EC6B-485B-ACDF-60815A1B6E34 A1599D6E-EC6B-485B-ACDF-60815A1B6E34

رأي

قال العرب قديما: «كل إناء بما فيه ينضح»، وحسب سياقات الاستعمال، فغالبا ما أخذت المقولة معنى هجائيا تجاهأشخاص أو أوضاع. وبعيدا عن أي معنى قدحي، فالجملة القصيرة تختزل ما يمكن أن تكون قد فصلت فيه أبحاثسوسيولوجية أو سيكولوجية وحتى من العلوم السياسية. وحين يخرج المرء من علوم السياسة بصفتها نواميس وقواميسومفاهيم، ويدخل السياسة ممارسا أو متفاعلا في إناءها، فغالبا ما تتنحى المعرفة العلمية لتفسح المجال لخطاباتالعارفين بكل شيء، والخابطين خبط عشواء بشأن كل شيء، ولا تعميم طبعا، لكنها الحالة العامة، والأكثر سفورا بالبلدانالتي يتخبط «انتقالها» الديمقراطي في السير، كلما خطت خطوة ندمت وعادت القهقرى، فلا هي انتقلت، ولا هي تقبلتوجهها السلطوي في المرآة، وتغدو السياسة الظاهرة أو سياسة المظهر مجالا للغو والفرجة أحيانا، بدل صراع الأفكاروالمشاريع المجتمعية، فيقع تسطيح كل شيء، حتى تصير الكلمة الرصينة يتيمة لدى السامعين، وأحيانا مثار ضحكوسخرية لأنها لم تتدحرج على السطح.

الأمر بديهي، فجودة النقاش العمومي والارتقاء به يتطلبان مساحة اطمئنان للمتحدث والمتفاعل معه، ومساحة محترمةمن الحرية، وبيئة ديمقراطية تسمح بتداول الأفكار وبالنقد والمبادرة. وفي غياب ذلك، فما يغلب هو التخوين وخطابالكراهية والتهجم على الأشخاص، على حاملي الأفكار، بدل مناقشة ما يطرحونه. إنها بيئة السلطوية أو البيئة التيتعيش مفارقة بين ما في النصوص وما في الممارسة، ولا عجب أن يكون النقاش العام الذي يخرج من هذا الإناء ينضحبثقافة الإقصاء والمشاحنات، بدل تقبل الاختلاف والنقد والارتقاء بالوعي الجمعي، فيكفي أن تظهر ببلدنا أي قضيةللنقاش، حتى يبدأ الاحتراب والاصطفاف قبل أن يظهر فحوى القضية، وتنحي موجة سابقتها، وتنسي ما حملته مننقاش، ولا يبقى في المسامع إلا أثر شقي بلا فائدة تذكر، وصارت وسائل التواصل الاجتماعي تعكس هذا السلوك العامالذي يعبر عن عقلية وليدة السلطوية وابنة ثقافة النمط والتنميط، حيث يستبد كل برأيه، وحتى من يقول إنه مناهضللاستبداد ومدافع عن الديمقراطية، فهو يمارسها بنوع من السلطوية التي تجعل المختلفين معه إما مرددين بالضرورةلكلام السلطة، وإما مندسين أو مخبرين أو خصوما، والاستثناءات تبقى حالات بلا أثر يُذكر.

ومن قضايا الحراكات الاجتماعية والاعتقالات التي استهدفت نشطاءها، وتوالي قضايا اعتقال الصحافيين، والجدل حولالاغتصاب والبيدوفيليا.. إلى موضوع الدعم المالي الأخير للفنانين، فإن الحيز الذي يمكن أن يخصص لنقاش هادئ بلااتهامات يكاد لا يسمع الصوت الصادر عنه وسط ضوضاء الاصطفافات الحادة، فمن قال إن المطالبين بتطبيق شرع اليدليسوا أقل خطورة من مغتصب الطفل عدنان وقاتله، صار يرجم بالشتائم، وأزالوا عنه رداء التعاطف مع الضحية، ومنهممن تعرض للجلد عاريا عبر النبش في حياته الخاصة، ومن طالب الدولة بإعدام مرتكبي مثل هذه الجرائم، سواء من منطلقإيديولوجي أو عاطفي أو مقاربة ردعية، فهو «داعشي»، ومن أخذ الدعم من الفنانين فهو مطبع مع الريع والفساد، ومنرفضه فهو «شعبوي» ومدعٍّ للبطولة لا أكثر، ولو أن عالم النظريات السياسية والمفكر الأرجنتيني، أرنستو لاكلاو، الذيقلب المعنى السلبي السائد عن مفهوم الشعبوية كان بيننا، وقال إن «الشعبوية، ببساطة، هي طريقة لتشكيل العملالسياسي»، وإنها منطق السياسة الفعالة، كما ورد في كتابه la raison populiste»»، لاتهم هو الآخربـ«الشعبوية»، دون التفحص في هذا المفهوم والتحولات التي طرأت عليه من منظور العلوم السياسية، وما منحه إياهالكاتب المختص في تحليل الخطاب، والذي ألهمت أفكاره جيلا جديدا من الفاعلين السياسيين والمثقفين بأوربا وأمريكااللاتينية، من معنى مخالف يجعل منه أداة فعالة في الممارسة السياسية، ووسيلة تحد من خطاب التقنقراط والبيروقراطية،وأيضا سدا منيعا ضد الاستبداد، من خلال جعل الشعب، بصفته مفهوما متحولا حسب سياقات النزاع السياسي، عمودالديمقراطية التي نادى بإعادتها إلى جذورها الأساسية، وهي الحرية والمساواة والتعددية. فكيف تجعل بيئة الصراعالهدام من مفهوم يستحق البحث مجرد حجر بالبيد لرشق المختلفين في الرأي؟ وهو منطق لايزال يسري على قضاياعديدة، فمن قال إن التهم الجنسية ضد الصحافيين «صارت أسلوبا قائم الذات» فهو عميل لجهات أجنبية ومدافع عنالاغتصاب ومعادٍ للنساء والمثليين، ومن قال إن الصحافي ليس منزها عن جرائم الحق العام، ويمكن أن يقع في جريرةالتحرش أو الاغتصاب، فهو «بوق» مسخر بالضرورةإنه التطرف بوجهيه المتقابلين، حيث لا جسر لفتح نقاش عموميجاد وبناء. هذه هي ثمرة السلطوية، وفي الوقت نفسه بذورها التي تجعلها تغرس جذورها أكثر، وحتى حينما تنجبمدافعين عن الديمقراطية، فغالبا لا ينجون من النفس المستبد في الدفاع عنها، فتصير السلطوية سلوك دولة وأفرادوهيئات ومعارضين، إلا من رحم ربك، فبيئة لم تتشبع بالتفكير النقدي الذي نهضت به أمم، لا يمكن أن يستقيم فيهاالنقاش بقواعد جدل يولد وينمي الأفكار والممارسة السياسية والمجتمعية، لأن النقد نفسه لايزال مرتبطا بمعنى سلبي،يحيل على الهدم لا البناء، في حين أن دولا تمكنت، حين تبنته منهجا في التفكير، من الخروج من عصر التسلط إلى بناءالفرد المواطن الذي يسائل ويتساءل، ويشارك في صياغة القرارات بمنطق الحق والواجب.

أما في بيئة الاصطفافات.. بيئة مع من وضد من، فالمنفلت من عقالها لن يصدق أحد أنه يقول ما يبدو له ولا شيء غير مايبدو له. عليك أن تكون في خانة من الخانات كي لا تُتعب عقولا ألفت النمط.. إنها مبرمجة بقاعدة بيانات تضعك بسرعةفي إطار ما. عقول مبرمجة على أن الحقيقة واحدة، وأن واحدا فقط من كل هؤلاء الفاعلين السياسيين والإعلاميينوالحقوقيينهو من يملك الحقيقة، ويصارع للتغلب على غيّ الآخرين وغلطهم، وإن رأيت في كل واحد وجها من الصحةفي شأن من الشؤون، فأنت مزاجي أو أحمق أو لست صاحب مبدأ، لأن المبدأ، في رأي الكثيرين، هو ابن النسق، وكلماخرجت عن النسقية والنمطية في التفكير صرت متعبا لعقول الآخرين، وصرت مخلا بالنظام العام المتواطئ حوله،فيختارون لك أبسط النعوت على عجل. إذن، فحذارِ أن تكون مغردا بلا جوقة وبلا فرقة، لأنهم سيوزعونك على كل الفرق، ثميكفرونك كلهم مجتمعين.. حذارِ أن تسير فردا منفردا، كن فردا برأس الجماعة، هذا هو منطق بيئة السلطوية التي يشكلفيها التعبير الحر والمستقل خطرا على منظومة تفكير وأسلوب يتحكم في النقط والفواصل.