فسحة الصيف.. حين كلفني الملا عمر بإدارة وزارة الدفاع- الحلقة 20

ملا ملا

.

الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر. مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة.

هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

إعداد: عادل الكرموسي

استمتعت بالحياة في هرات. يعود الفضل إلى إسماعيل خان بتطوير البنى التحتية في المدينة. ورغم أن السكان أخافونا في البداية، فإننا لمسنا لديهم حسن الضيافة والود والحماسة في العمل لخدمة بلدهم. وتميزوا بمساهمتهم وتقديرهم للتعليم. وعرفوا باحترام المبادئ والقيم، كما برعوا في إدارة الأعمال، واهتموا بالكبار في السن، فحاولت طالبان خدمتهم على أكمل الوجه، محافظين على الأمن ومحترمين القانون.

 قررت بعد حوالي سنتين أن أعود إلى المنزل على إثر وصول رسالة من زوجتي تخبرني فيها أن ابني مريض. فذهبت إلى الحاكم، وتوسلت إليه أن يجد من يحل محلي في المصرف، لكنه لم يردنِ أن أغادر ولم يعين مديرا جديدا. لكن على الرغم من أنني لم أحصل على إذن رسمي في المغادرة، فقد تهيأت لمغادرة هرات.

 وعهدت بمسؤولياتي إلى نائبي، ومضيت بسيارة من المكتب قاصدا البيت. وحين عدت إلى قندهار، أعدت السيارة إلى المكتب التابع للحكومة، وقصدت منزلي في الحاجي بالقرب من صالحان.

 أردت أن أتوقف عن العمل في إدارة الحكومة، لفترة ما تطلعت إلى المضي على خط والدي فأصبح إمام جامع، حيث يصبح بمقدوري قضاء وقتي في التعلم وتعليم القرآن الكريم والإسلام. هذه الحياة التي أطمح إلى تحقيقها حتى اليوم. فهذا عمل لا صلة له بإدارة الأعمال في العالم، بل هو نداء للكرامة العسكرية بعيدا عن مخاطر السلطة وتجاربها. ولطالما كنت في حياتي كلها، وفي صغري أيضا، سعيدا في الدراسة، وتعلم أمور جديدة، فالعمل في إدارات الحكومة يعرض حياتك للفساد والظلم. وفيه تولد مأساة البشرية.

 بعد أن عدت إلى هرات، قررت البقاء في البيت شهرا لأراجع حصيلة السنوات القليلة السابقة، يوم ناب عني أخي في المسجد، بعد أن أنهى دراسته وعاد إلى المسجد إلى المنزل. لكن قبل عودتي إلى المسجد، أرسل إلي الملا محمد عمر سيارة لإحضاري، والذي أصبح آنذاك يعرف بأمير المؤمنين. جلسنا في مكتبه وراح يسألني عن صحتي وعائلتي ثم قال لي: “من الجيد أنك توقفت شهرا عن العمل فالراحة أمر جيد. لكن عليك العودة إلى العمل الآن”.

 أصبحت كابول ذلك اليوم بأيدي طالبان. وأرادني الملا صاحب أمير المؤمنين أن أتولى إدارة وزارة الدفاع الوطنية، فكتب ورقة رسمية لتعييني. وعلى الرغم من أنني لم أكن أريد العمل مع الحكومة، فإنني لم أستطع أن أرفض طلبه، ذلك أنني أقسمت أن أتبعه وأقف معه، فإذا أرادني في كابول، فلن أتوانى عن المضي إلى هناك، وضبت أمتعتي، وودعت أسرتي، وغادرت إلى كابول.

خلال وجودي في هرات، كانت طالبان بلغت العاصمة، وكان الملا محمد رباني والملا عبد الرزاق نشرا الأمن في المدينة. فأنهيا القتال بين الحزب الإسلامي والقائد غلب الدين حكمتيار، وأحمد شاه مسعود. هذه المرة الأولى التي أزور فيها كابول كأي زميل لي في طالبان.

 وجدت طالبان يباشرون تطبيق الشريعة، لم تعد النسوة يعملن في الإدارات الحكومية، وبدأ الرجال في المدينة يطيلون لحاهم. ترافق ذلك مع رجوع الحياة في المدينة إلى طبيعتها. فرجع الناس إلى التسوق، وتحسن الأمن على الصعيد اليومي، على الرغم من حظر التجوال الذي فرض في بعض الأماكن. لكن قضى الكثير في القتال وبات كثير من الأشخاص يعانون اضطرابات نفسية، لم يبقَ إلا القليل من الإدارة السابقة. فقد تم نهب معظم المكاتب، وعمت الفوضى إدارة الحكومة، كما دمرت أجزاء من المدينة دمارا شاملا، وأمست معظم الوزارات تحت الأنقاض.

 ومن حسن حظي أن مبنى وزارة الدفاع بقي سليما. وحين وصلت وتسلمت مسؤوليتي لم تكن هناك أية ميزانية، ولم يعلم أحد ما قد تبلغه نفقات الوزارة.

معظم المكاتب خالية، ذلك أن معظم الموظفين كانوا على علاقات مع حلفائهم في الشمال فهربوا من كابول. وهناك آخرون لم يعلموا أن الوزارة عاودت عملها، فلم يأتوا إلى العمل، كان من الصعب علي أن أعمل في كل تلك الفوضى، وأن أحاول الاستقرار في مدينة جديدة وغريبة عني، كأنني أنتقل في حقل للألغام. لكن على الرغم من أنني كنت جديدا في هذه الوظيفة، فإنني نلت ترقية، وأصبحت نائبا لوزير الدفاع.

فكنت مسؤولا عن الأمور المالية اللوجستية في الوزارة. وغالبا ما مثلت وزير الدفاع، وحين أصيب الملا عبيد الله، وزير الدفاع، وذهب إلى باكستان للعلاج، نبت عنه لمدة تسعة أشهر، فيما تكلف معاوناه الملا خان محمد والملا محمد نعيم آخوند بإدارة الأمور العسكرية.