فسحة الصيف.. قصة طالبان مع العملاء وحكاية سيطرتنا على مطار قندهار- الحلقة 19

ملا ملا

.

عند منتصف الليل، اقتربت سيارة من موقعنا آتية من تختبول، استطعنا رؤية أضوائها وهي تقترب ببطء نحونا. ورغم بعد المسافة سمعناهم يصرخون: “يا طالبان، لا تطلقوا النار! لا تطلقوا النار! أتينا للتحدث معكم!”. نكسنا أسلحتنا، ورحبت بهم. اتضح أنه الأستاذ عبد الحليم بنفسه أتى يسأل عن الملا برجان، أجبته قائلا: “هو ليس معنا وربما كان في هندو كوتاي”. فقال إثر ذلك إنه يريد المضي إلى هناك للتحدث معه أو مع أي من قادة طالبان الكبار. فأجبته بأن الأوامر لدي تقضي بألا أحدا يمر. فبدا متفاجئا وقال: “أنا الأستاذ! حتى أنا ممنوع من المرور؟”، فأجبته بأنني أعرف من هو، ورغم ذلك ليس بمقدوري أن أدع أحدا يمر.

 في بادئ الأمر غضب الأستاذ. لكنه عندما لاحظ أن غضبه لم يفض إلى شيء خفض صوته وتكلم بهدوء. ورغم كل محاولاته لم نسمح له بالمرور، فقرر الرحيل أخيرا. إلا أنه عاد بعد ساعة قائلا إن لديه رسالة مهمة، ورغم كل ذلك لم نسمح له بالمرور.

 بعد رحيله، تذكرت ما حدث خلال جهادنا ضد السوفيات والنظام التابع لهم في كابول. حينها انقلب الأستاذ ضد العلماء باحثا عن مصالحه الخاصة. وتناهت إلينا شائعة تقول إنه لم يذكرنا إلا بالشتيمة. وتداول الناس أخبارا فحواها بأنه يسرق المدنيين ويمنع المجاهدين من المشاركة في الجهاد المقدس عبر سرقة أسلحتهم. كما سمعنا أنه زود الحكومة بمعلومات عن قوات المجاهدين، بل إنه ساعدهم مرات عدة في أمور لوجستية. وليس خافيا على أحد أن لديه صلة قوية بالمقاتلين الأفغانيين، وأنه التقاه مرارا، لذا قررت جهات الطالبان الست التي تحارب ضد السوفيات الاجتماع في منزل الملا حاجي محمد عمر. ووصلنا إلى ارتفاع سريع قضى بأن نجرد الأستاذ من سلاحه. وبطريقة ما علم بأمر الاجتماع، وبوقته، ومكانه، وظهر فجأة من دون دعوة في بيت الملا الحاجي محمد عمر حيث كنا نجلس.

 تفاجأ الجميع برؤيته وصدمنا حين جلس، وبدأ بالتكلم من دون أي عذر وقال: “إن هذه الفرصة جيدة للجميع فكل المحترمين تجمعوا هنا. أنتم قادة جبهات طالبان الست وعلماء محترمون، وأنا جندي متواضع بخدمتكم، بل أنا ابنكم. وإنني أحرص على تنفيذ جميع أوامركم مهما تكن، إن أردتم سجني فانا مستعد، وإن أردتم قتلي فأنا مستعد”. جلسنا صامتين بعد كلامه ولم يجرؤ أي منا على الكلام. لقد قاطع الحديث ولم يعرف أحد كيف يرد على مقاطعته هذه. ظل جميع من في الغرفة صامتين لبعض الوقت، ولا زلت أذكر أنني تساءلت عن الطريقة التي علم بها بانعقاد الاجتماع؟ من أخبره؟ أبلغنا أن لا علاقة له مع الشيوعيين، وأنه لا يسيء إلى الناس ولا يعذبهم، وقال إن أحدا كان يكذب بشأنه آنذاك فقررنا أن نصدقه.

 لاحقا علمنا أن الأستاذ كان يتعاون مع السوفيات والحكومة الأفغانية. وكان لدينا إثبات بأنه يتلقى مرتبا ثابتا من كابول. كما هاجم الحج بشار وقرى الصحراء والطريق بمساندة قوات الحكومة المتمركزة في كشكينا فود. وكنت يومها هناك، وسمعت أحاديث عبر الجهاز اللاسلكي. وعادت ذكريات خيانته إلي. حين كنت واقفا مع رجالي في هندو كوتاي، وحين كان الأستاذ يحاول المرور .

مرت تلك الليلة من دون أن يحدث شيء آخر يذكر. وعندما أشرقت الشمس، اختفى هو ورجاله بالإضافة إلى الدبابات والسيارات. وفي الليلة نفسها سيطر طالبان على مطار قندهار، وبحلول الساعة التاسعة صباحا دخل رجالنا المدينة، عبر بوابه هارات ولم يقاوم طالبان سوى بعض رجال غول آغا. أما باقي قندهار، فقد سقطت تحت سيطرتنا من دون إطلاق أي رصاصة. وفي المقابل خضعت المنطقة العازلة الواقعة في باغي غول لسيطرة سر كاتب الذي احتجز رجاله الحاجي ملا برجان آخوند، كما أغلقوا الطرق المؤدية إلى بانجواي. آنذاك وصلتني رسالة مضمونها أن أحد أفراد عائلتي مريض، وأن علي العودة فورا إلى المنزل، فسلمت القيادة إلى الحاجي الملا عبد الستار آخوند، وصعدت إلى متن الباص. وحين اقترب الباص من مرواس، رأيت عشرة رجال يقفون إلى جانب الطريق مع رشاشات بي كاي، وطلقات تلف أجسادهم.

أوقف الرجال الباص، وبدؤوا بتفتيشه، اقترب أحدهم ليسأل السائق إن كان معهم أي رجل من طالبان، جلست وأنا أرتعد. ورغم أن السائق قال إن كل الركاب من بنجاواي، وإن لا أحد على متن الباص من رجال طالبان، إلا أنني خفضت رأسي ونزعت العمامة عنه، ووضعت واحدة تعود لراكب آخر، يشهد الله أنني خفت على حياتي وأنا جالس في ذلك الباص، ولكن ولله الحمد لم يلاحظ الرجال بوجودي، وأكملنا طريقنا إلى بانجواي.