بكير بنعيسى: عطاونا أنا والراضي عشرلاف ريال- حوار / الحلقة 2

الحسن الثاني يستقبل المنتخب الوطني لألعاب القوى الحسن الثاني يستقبل المنتخب الوطني لألعاب القوى

.

في الحلقات التالية، التي سيروي فيها عداؤون وعداءات مغاربة صنعوا التاريخ، تفاصيل غير مسبوقة
عن سباقات أسطورية كانوا أبطالها، سيجد القارئ نفسه إزاء حكايات مثيرة، مروية بلسان أصحاب الإنجاز.

لنتوقف لبعض الوقت مع ماراثون روما الأولمبي. كتب أنه جرى ليلا. كيف ذلك؟

صحيح. فقد انطلق السباق ليلا. مازلت أذكر ذلك. كان الجو جميلا، ولكن الأسفلت الذي جرينا عليه، وهو مصنوع من الأحجار “Les pavés”، لم يكن يساعد على الركض بسلاسة. وأذكر أيضا بأن الشوارع كانت مضاءة بالمصابيح المعلقة “Les torchons”.
كنا في حدود 140 أو 150 عداء، نمثل عددا مهما من الدول.

فهل وقع التفاهم بينك والراحل عبدالسلام الراضي، أم أن كلا منكما خطط ليفوز بالسباق لنفسه؟

بل كل منا خطط ليفوز بالسباق. “كلها ضرب على راسو”. وللحق، فقد كنا نركض وسط الظلام، ولسنا ندري إلى أين نسير. وحتى حدود الكيلومتر العاشر كانت الكوكبة الكبرى ما تزال مجموعة، غير أن الأمور بدأت تتضح بعد الكيلومتر العشرين.

كان الوصول إلى الكيلومتر العشرين فاصلا في من سيفوز بالسباق. كيف ذلك؟

في ذلك الحد من السباق؛ أي الكيلومتر العشرون، بدأ العياء يؤخر بعضهم فيما برز آخرون، وراحوا يوسعون الفارق عن المجموعة.

وأين كنت حينها السي بنعيسى؟

حتى حدود الكيلومتر الخامس والثلاثين كنت في المركز الثاني لترتيب المتسابقين. ومازلت إلى اليوم أحتفظ بنسخة من جريدة “ليكيب” أرخت للسباق، حيث يوجد توضيح لمواقع المتسابقين على مدار كل عشر كيلومترات.

 حين تجاوزنا الكيلومتر الخامس والثلاثين بدأت تتضح أمور المتوجين. فما وقع قبل ذلك أن كلا منا كان يتقدم للقيادة لبعض الوقت، ثم يتأخر. أما وقد صرنا نقترب من الكيلومتر الأربعين، فقد تقدم كل من بكيلا والراضي، وصارا الأقرب إلى الفوز.

ما الذي جعلك تتراجع في تلك الأثناء؟

يمكن القول إنني أنهيت السباق في مركز جيد جدا. فليس متاحا لأي كان أن ينهي ماراثون الألعاب الأولمبية في المركز الثامن. وكنت سعيدا للغاية أنني رتبت ثامنا بين ما يزيد عن 140 عداء من أنحاء العالم، كلهم جاء ليفوز بالسباق.

أي نعم، فقد رشحتني الصحافة الفرنسية، المختصة في الشأن الرياضي، كي أفوز بسباق الماراثون، غير أنه جرت العادة أن يظهر، في كل مرة، عداء جديد، يفاجئ الجميع، ويظفر بالميدالية الذهبية. وكمثال على ما أقوله لك العداء الكبير إيميل زاطوبيك، فقد ظهر فجأة في سنة 1948 وهو يربح سباق 10 آلاف متر بلندن، متقدما على ألان ميمون، ثم إذا به يربح ثلاث ميداليات في منافسات الألعاب الأولمبية لسنة 1952 بهيلسنكي، تخص سباقات خمسة آلاف وعشرة آلاف متر، فضلا عن الماراثون.

كان فتلة من فلتات ألعاب القوى..

تماما. وتمنيت لو أنني حضرت دورة ميلبورن الأسترالية لسنة 1956، حيث حققت توقيتا أفضل منه، وكان متاحا لي أن أتفوق عليه حينها. غير أنني لم أستطع الحضور، وكانت الذهبية من نصيب آلان ميمون.
وكي تتيقن من صدق ما أقوله لك، فلدي نسخة من جريدة فرنسية كتب فيها صحافي مختص في الشأن الرياضي ما يلي: “كيف قضى بنعيسى ليلته يرقص ثم تفوق على ألان ميمون”. ثم إنه وقع علي الاختيار باعتباري أفضل رياضي للسنة؛ سنوات 1957، و1959، و1963، و1964، وهذا دليل آخر على صحة ما أقول.

ومع ذلك، لا بد أن شيئا ما جعلك تفقد الذهب في تلك الدورة. هل تعرفه؟

الحقيقة أن الجري في الظلام أثر علينا بعض الشيء. وكما سبق أن قلت لك، فقد كنا نركض دون أن نعرف بالضبط اتجاهنا.

فكيف أنهيت السباق؟ هل كنت منهكا؟

كلا، فقد دخلت خط النهاية مرتاحا. لم أشعر حينها بأي تعب. وأقول لك شيئا، فكل الماراثونات التي شاركت فيها، على مدار مسيرتي الرياضية في ألعاب القوى، أنهيتها مرتاحا، لم أشعر بالتعب. بل أكثر من ذلك، فلم يسبق لي أن شربت الماء وأنا أركض الماراثون، من البداية إلى النهاية.

من أول مغربي من المسؤولين عن الوفد التقيت به عند خط الوصول؟

كان السي منصور الحريزي مرفوقا بالسي الجيلالي العوفير، رحمة لله عليهما. ومباشرة بعد تهنئتي والراضي على الإنجاز الذي أدركناه، في تلك الليلة، قدما لنا منحة قيمتها “عشرة آلاف ريال، لكل واحد منا. هو عشرلاف وأنا عشرلاف”.

هل حضرت تتويج الراحل الراضي بالميدالية الفضية؟

أي نعم، وكان ذلك في أجواء جميلة جدا. وأذكر هنا، للتاريخ، أن سي عبدالسلام الراضي كان مرشحا ليفوز بالميدالية الذهبية. فحينما تقدم الراضي وبكيلا بعد الكيلوميتر الخامس والثلاثين، وكنت أتبعهما، قلت لنفسي: “الراضي غادي يدير شي حاجة”.

هل صحيح أنه أخطأ الطريق حينها؟

كان الإثيوبي بكيلا عداء قويا، والدليل على ذلك أنه فاز بالميدالية الذهبية لدورة طوكيو الأولمبية سنة 1964. أما الراضي فقد كان سعيدا، وحين التقيت به بعد نهاية السباق، وباركت له منجزه، قال لي إنه مرتاح لما قدمه في ذلك اليوم.

حين عدتما إلى القرية الأولمبية، هل وقع الاحتفال بكما؟

“ما كاين احتفال”. نحن حملنا القميص الوطني في زمن لم يكن فيه مال. كنا نركض من أجل شعار “لله الوطن الملك”. ومع الأسف، فإلى اليوم لا يسألون عنا. وأود بالمناسبة أن أشكر كلا من نوال المتوكل، التي اهتمت بي كثيرا، وساعدتني، فضلا عن السي كمال لحلو، الذي ساعدني هو الآخر. ولا أنسى هنا البطل هشام الكروج، الذي استدعاني لسباقه في مدينة بركان، وخصني بتذكرة الطائرة، وبإقامة جيدة، وكرمني هناك.

فكيف كان الحال عندما عدتم إلى المغرب؟

حين انتهت الدورة الأولمبية بإيطاليا عاد الوفد المغربي إلى المغرب، فيما ذهبت إلى تشيكوسلوفاكيا كي أشارك في سباق ببراغ، بطلب من الحاج محمد بنجلون، رحمة لله عليه. أما وقد عدت إلى البلد، فلم يقع الاحتفال بنا. “وتقول شي حاجة. نقولو الصراحة”.

ومع ذلك، فقد شاركت في دورة طوكيو لسنة 1964. ما قصة تلك المشاركة؟

شاركت في سباق الماراثون، الذي فاز به الإثيوبي بكيلا، مؤكدا جدارته وهو يدافع عن لقبه في أولمبياد روما. كان الوفد الرياضي لألعاب القوى يتكون، حينها، من لحسن عقا (صمصم) والغازي الزعراوي وبوشعيب المعاشي، فضلا عن العبد لله، لا غير.

وأذكر أن السي الجيلالي العوفير كان يرافقني في التداريب بسيارة “جيب”. وحين كنا نعود إلى المغرب، كانت رحلتنا طويلة، عبر هونغ كونغ، والتايلاند، ثم إيران، وباريس، لنصل إلى البلد.

قبل الختم، هل من ذكرى عن سباق الماراثون الذي فزت به في دورة الألعاب المتوسطية بنابولي سنة 1963؟

أذكر أن عبدالسلام الراضي، رحمه لله، كان قد التحق بي، سنة 1963، في نابولي الإيطالية، حيث كان يتعين علينا أن نشارك مع الوفد المغربي، المكون من عدة رياضيين لأنواع رياضية مختلفة، في دورة الألعاب المتوسطية.

ولسبب ما، يخص صحته، قال لي، وقد كان رفيقي في الغرفة، مثلما حدث لمرات كثيرة، إنه لا يجد نفسه مستعدا. ثم قرر أن يترك الملابس الرياضية، ويعود من حيث أتى. وهو ما حدث بالفعل، إذ إنه لم يكن ليركض بالقميص الوطني وهو غير مستعد.

لقد رحل في ذلك اليوم بعدما قال لي: “أنا مغاديش نقدر ندير شي حاجة”. وحينما جاء السي منصور الحريزي، رحمة لله عليه، باعتباره مسؤولا عن الوفد المغربي، ليتفقد الأمور، أخبرته بما حدث. قلت له: “الراضي راه خلى الحوايج ديالو، وقال لي غيمشي، ميقدرش يجري”.

والحمد لله، فقد وفقني لله، في تلك المناسبة الكبيرة، كي أحصد ميدالية ذهبية للمغرب. فقد استطعت الفوز بسباق الماراثون (ساعتان و26 دقيقة و50 ثانية، متقدما على الإيطالي بوتي والتركي أكلاص). واحتاج المغرب إلى عشرين سنة كي يعانق الذهب، في دورة الدار البيضاء، سنة 1983.

وأشير هنا، أيضا، إلى أن ذلك السباق شهد قصة طريفة، ذلك أن عداء تونسيا غش أثناء الماراثون. “سرق الطريق”. وحين كنا نريد الصعود إلى منصة التتويج، ويرافقني الحاج محمد بنجلون رحمه لله، قال الحكام للتونسي : “لست من يستحق الذهبية، بل يستحقها المغربي بكير بنعيسى. فهو من فاز عن جدارة واستحقاق”… “المغربي اللي ربح”.

بكير: الإعلام مسؤول عن المنسيين

يعتقد العداء الكبير، بكير بنعيسى، أن الإعلام الرياضي يتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية في الوضع الذي يعيشه ثلة من الأبطال المنسيين من قبل جامعاتهم والوزارة الوصية، شأنه هو الذي أعطى الكثير جدا، ولم يعد يجد من يسأل عنه “مجرد سؤال”.

ويقول بكير، في الحديث معه، إن الرجال الذين عايشهم في مواقع المسؤولية، وتوفاهم الله، كانوا يرعون الرياضيين، ويعاملون بأبوة، في حين تغير الوضع منذ زمن، وصار النسيان عملة رائجة، بحيث أن المسؤولين الجدد أنكروا الماضي وأبطاله.

وهنا يوجه بكير اللوم إلى الإعلام المختص في الشأن الرياضي، ويقول: “ولكن الإعلام هو اللي خصو يدير هذا الخدمة. يفيقهم، ويقول ليهم راكم نسيتو الناس القدام”. فما لم يقدم الإعلام على ذلك، لن يتذكر أحد أولئك الذين أعطوا الكثير، ثم صاروا نسيا منسيا.

واستشهد بكير بوصف قال إنه استلهمه من الإعلامي محمد أبو السهل، وهو “المنسيون”. وأكد أن القليلين من يسألون، ويتذكرون، ويذكرون.