الشرقاوي: القيمة المغيّبة للشتات المغربي كرصيد استراتيجي

1523027840charkaoui3 (1) 1523027840charkaoui3 (1)

د. محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية، جامعة جورج ميسن، الولايات المتحدة

 

يشعر جلّ مغاربة العالم بخيبة أمل مضاعفة من موقف الحكومة والأحزاب من مبدأ مشاركتهم السياسية وحقّ المواطنة الكاملة اللتين أقرّهما الخطاب الملكي عام 2005 ودستور عام 2011.

ويزداد الغيض من فيض بعد تجاهل المذكرة المشتركة لأحزاب “الاستقلالوالأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية، الصّادرة قبل أيّام،لمغاربة العالم على الرغم من تركيز المذكرة على محورين رئيسيين أساسيين: الإصلاحات السياسية والديمقراطية، و”الإصلاحات الانتخابية“، ودعوتها إلى إبرام تعاقد سياسي جديد“.

ويتكرّر الصمت المطبق عن التمثيل السياسي لمغاربة العالم أيضا في مذكرة “العدالة والتنمية” التي تصبو إلى “إعمال المقاربة التشاركية في مراجعة المنظمة الانتخابية، في إطار منهج تراكمي يرصد إيجابيات الاستحقاقات الانتخابية السابقة ويتجاوز نواقصها وثغراتها”.

ومنذ مارس الماضي، زادت مؤشّرات الحنق بين مغاربة العالم بسبب تعامل الرباط مع ملف العالقين في الداخل والخارج، وسط ملفات عالقة أخرىبشأن مغاربة المهجر، مما يكرّس بوادر القطيعة النفسية والاجتماعية والعزوف عن زيارة المغرب، فضلا عن التفاف فئات واسعة من المثقفين في أوروبا وأمريكا الشمالية حول فكرة التّضامن والتّعبير عن ذاتيتهم وقناعاتهم، وتنظيم أنفسهم فكريا وسياسيا كشتات قائم بذاته، وسط تركيز اهتمام الرباط داخل دائرة التحويلات المالية.

يستعرض هذا الملفّ الخاص مواقف سبعة من الشخصيات الأكاديمية ونشطاء المجتمع المدني في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية حول ديناميات العلاقة ومآلها بين مغاربة المهجر والمغرب الرسمي، وبعض الاعتبارات والقضايا التي لا يلتقطها رادار الرباط عند تتبّع أوضاع قرابة ستّة ملايين مغربي ومغربية في الخارج.

ثمّة قاعدة ذهبية تتمسّك بها الدول المتقدمة، وإنْ تنطّع لها البعض في المغرب، هي الاحتكام إلى الدّراسات النقدية وعقد المقارنات الموضوعية في تقييم السياسات والاستراتيجيات وقياس التنمية الشاملة بمؤشرات ملموسة. فلا تلويح ولا ادّعاء بنجاح أيّ خطط التنمية دون وضعها على الميزان الدولي والاستئناس بما توصّلت إليه المعرفة العلمية المجردة من أي توظيف سياسي أو تلوين إيديولوجي. بيد أن منطق التّبرير السائد في الرباط غالبا ما يلعب على وتر “الخصوصية المغربية” أو “الاستثناء المغربي”، فيتمّ ليّ عنق دلالة الاستثناء مما هو إيجابي منشود في الأصل إلى التغطية عن تعثرات وتجلّيات الفشل المحرج. ولا يخرج الارتباك وضياع البوصلة عند تعامل الرباط مع قضية العالقين في الداخل والخارج عن سياق معضلات وملفات عالقة أخرى منذ خمسة عقود إزاء مغاربة العالم، وسط تأرجح الإرادة الرسمية بين تشجيع تحويلاتهم المالية والاحتراس من مشاركتهم السياسية ومآل تحويلاتهم السياسية في المستقبل. وتزداد خيبة الأمل والإحباط من مراكز القرار والحكومة والأحزاب معا عند مناقشة وزارة الداخلية “قانون الانتخابات الجديد”، وتراجع أغلب الأحزاب عن مواقفها بشأن المشاركة السياسية للجالية، بانتظار الاقتراع المرتقب عام 2021، رغم تلويح المذكرة المشتركة لأحزاب “الاستقلال” و”الأصالة والمعاصرة” و”التقدم والاشتراكية” بضرورة “تشجيع المشاركة السياسية للمواطنات والمواطنين.” وخلف هذه العبارة تغييب مقصود آخر لمواطني المهجر الذين يتبدد أمام أعينهم مغزى المواطنة المعلنة، ويشعر كثيرون أنها خيانة سياسية وأخلاقية!

قد يلومني البعض في الرباط على إخراج المارد من القمقم بالحديث عن الشّتات المغربي، وليس “مغاربة العالم” كصيغة مهذّبة لعبارة “عمالنا في الخارج”، وإنْ كان شتاتا موجودا في الواقع، ديمغرافيا وفكريا وسياسيا، في مائة دولة يقيم فيها المهاجرون المغاربة. وقد لا يتابع جلّ المسؤولين والشخصيات الحزبية تحوّلات سوسيولوجيا هذا الشتات وتجليات تفكيره ضمن تدوينات الإعلام الجديد والنقاشات العامة والإصدارات الأدبية للجيل الثاني والثالث من أولئك المهاجرين. ولا تحيد تعبيرات هذه الأجيال الجديدة عن مواصفات ما أصبحت الدراسات المعاصرة تعتبرها أصناف الشتات ومنها “الشتات الثقافي”، أو “الشتات الرقمي”، أو “الشتات الافتراضي” كناية عن “استخدام الفضاء الإلكتروني من قبل المهاجرين أو أحفاد مجموعة مهاجرة لغرض المشاركة أو الدخول في عمليات تفاعل عبر الإنترنت”. وتشكل سيولة الهوية وتحديدها من منطلق ذاتي أيضا عنصرا متغيّرا في تشكّل الشتات المغربي مثل أيّ شتات آخر كرصيد مثمر في خطط التنمية. ويتوقع دافيش كابور، الأستاذ في جامعة هارفارد، أن أهمية تدفق رأس المال البشري الدولي ستزداد أكثر فأكثر خلال العقود القليلة المقبلة، وأن مجموعة من العوامل الديمغرافية والتكنولوجية والتغيّرات في البنيات الاقتصادية والسياسات المحلية والملفات المقلقة في الأمن القومي ستساهم في تحديد مستوى تدفق رأس المال البشري الدولي.

تتأتّى هذه القناعات لديّ من تشريح الفرق بين المنطلق الواقعي زمنيا وثقافيا واجتماعيا الذي أتمسّك به، في السعي لتركيب علاقة استراتيجية منتجة بين مغاربة العالم والمغرب، والمنطلق الرومانسي الذي يتغنّى بالرّوابط النوستالجية والروح الوطنية وبقية السرديات الرمزية ضمن أدبيات الدولة المغربية. ولا ينبغي أنّ ينمّ الحديث عن واقع مغاربة العالم عام 2020 عن كتابة قصيدة أو تأليف عزف أوركسترالي لاحتفاليات الأعياد الوطنية، بل أن يعكس واقعية الهجرة وعقلانية النقاش المحتدم في جلسات المقاهي وحول موائد العشاء في حقبة أصبحت فيها زيارة المغرب، ناهيك عن العودة إليه، من قبيل الكوابيس لدى جل المهاجرين.

هناك، أيضا، سجال مفتوح حول خطاب “عمالنا في الخارج”، و”مغاربة العالم”، وامتدادات صلة الرعية التي تعتبرها الأدبيات المخزنية معطى قارّا لا تؤثّر فيه التحولات السوسيولوجية والوعي القِيَمِي المتحرك بين أجيال المغاربة في الخارج. في المقابل، هناك الدلالة المتنامية لخطاب المواطنة العابرة للقارات، أو المواطنة المرنة المعاصرة، في ضوء الهويات الجديدة من قبيل “مغاربة أمريكيون”، و”مغاربة أوروبيون”، و”هولنديون من أصل مغربي”، وإلى أين هم ذاهبون بهذه الهويات المزدوجة أو Hyphenated names والثقافات المركّبة والرؤى العالمية التي تتجاوز جينات الدم أو حدود الأرض أو نقاط الجمارك أو ختم الجوازات؟

أستحضر مجدّدا ما كتبه الروائي البريطاني الساخر جورج أورويل قبل سبعين عاما في عبارة مثيرة في معناها ومغزاها قائلا إن “أسوأ شيء يمكن للمرء أن يفعله بالكلمات هو الاستسلام لها”، وأضاف أن على المرء “السماح للمعنى باختيار الكلمة، وليس العكس.” أستحضر مقولة أوريل للتمهيد لاستعراض الفرق بين أن يُسقط المغرب هوية واحدة على قرابة ستة ملايين موزعين بين مائة دولة وفي أعمار ومستويات تعليمية وتجارب حياتية مختلفة، هي هوية تدخل في تركيبها عدة عناصر عرقية ولغوية وثقافية يفترضها المغرب ومنها الاعتداد بما يسمى في الأدبيات “الثوابت والمقدّسات”، وبين أن يساهم هؤلاء المغاربة النازحون في تحديد هويتهم وخطابهم بشكل ملائم. ويكمن الفرق بين خلاصاتي حول واقع مغاربة العالم في ضوء أبحاثي ورحلاتي الميدانية في السنوات الأخيرة وتمسّك البعض برفض وجود شتات مغربي في نقطتين أساسيتين:

أولا، وجود مسافة ثلاثين عاما في التحليل بين واقع 2020 ومحاولة استدامة خطاب عام 1990. لم تتحرك الرباط من خارج الدائرة المغلقة التي تُجمّد مغاربة المهجر قسريا ضمن خانة “عمّالنا في الخارج” وارتباط وجودهم خارج الحدود بهدفين أساسيين: 1) العمل وحشد المدخرات المالية لتحويلها إلى المغرب، وأن مقامهم في الخارج مسألة مؤقتة ضمن الجزم السائد بعودتهم في نهاية المطاف. 2) لاتزال السياسات العامة المغربية تتفادى الحديث عن الشتات وتسعى لإخفائه ضمن خانة الهجرة. كما لاتزال عالقة عند النسق الكمّي من خلال التركيز على البيانات الديموغرافية وأعداد العابرين عبر الموانئ والمطارات وقيمة التحويلات المالية السنوية لمغاربة العالم، بدلا من تطوير النسق الكيفي الملائم لدراسة حيثيات الشتات والهجرة باستخدام أدوات العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة.

ثانيا، حيرة الرباط بين اعتبار الشتات المغربي تهديدا سياسيا، وبالتالي، تجميد فكرة تمثيله في البرلمان ومجالس الحكامة، أو رصيدا استراتيجيا يساهم في تعزيز غايات السياسة الخارجية والمصالح الاقتصادية للمغرب كما هو حال الدول التي استثمرت في ربط الشتات بالتنمية التكنولوجية والمعرفية والاقتصادية والمجتمعية مثل الصين والهند وروسيا وإسرائيل. منذ خمسة عشر عاما، حاول الملك محمد السادس في خطاب 6 نونبر 2005 تعديل موقف غير سليم نتيجة ما يبدو موقفا انفعاليا، وليس رؤية استراتيجية، لدى والده الراحل الحسن الثاني، الذي كان يتوجس من وجود نخبة اليسار الاشتراكي في فرنسا، ويعارض، أيضا، اندماج المغاربة في الدول التي استقروا فيها. تستمر الحيرة في الرباط إزاء قرابة ستة ملايين مواطن مغربي، مقيمين أو متجنّسين في مائة دولة، ومنهم على الأقل 300000 يمثلون النخبة، حسب إحصائيات مجلس أوروبا.

قد تحتاج الرباط إلى ثلاثين عاما أخرى لتصحيح مفهومها للشتات والمكاسب المغيبة لمساهمته المؤجلة في بناء التنمية والديمقراطية. ويسأل كينغسلي أيكنز، مدير معهد دراسات أهمية الشتات، Diaspora Matters Institute في أيرلندا “ما الذي جعل الصين مصنع العالم؟ وما الذي مهد للهند أن تكون مركزًا للتكنولوجيا في العالم؟ وما الذي أضحت به إسرائيل مركزًا رائدًا للابتكار؟ إنه التواصل مع الشتات في الولايات المتحدة.” على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، تقول آن ماري سلوتر Anne-Marie Slaughter، مسؤولة السياسات العامة في وزارة الخارجية الأمريكية سابقا والأستاذة في جامعة هارفارد: “نحن نعيش في عالم مترابط التواصل بين خيوط الشبكة، فالدبلوماسية عملية تشبيك، والأعمال والتجارة تقوم على علاقات تشبيك، والإعلام مرتبط بعملية تشبيك، والمجتمع ذاته يعمل بمنطق التشبيك، وحتى الدين عملية تشبيك. ويكمن مقياس القوة في هذا العالم في الترابط والتشبيك، ومنه تتدفق الطاقة نحو القدرة على إجراء أقصى عدد من العمليات القيمة في التواصل والتشبيك. لم تعد القضية القوة النسبية، ولكن أن تكون في وضع مركزي ضمن شبكة عالمية كثيفة. والسؤال من أنت، هو ما يحدّد ما باستطاعتك أن تحقّقه، وبمن تستعين، ومن تثق بهم وتدخل في عملية تشبيك معهم”.

بين 2020 و2050، سيتحرك شراع المغرب على موج متقلب اقتصاديا وجيو-استراتيجيا، وقد لا تنتبه السلطوية الجديدة في الرباط إلى منطق الربح والخسارة بين أن يكون هذا الشتات حليفا في صفّها من الآن، أو يكون جبهة تتقوّى في ثغورها في عواصم المهجر!