هكذا نجح محمد السادس في سحب الورقة الاقتصادية من سبتة ومليلية

الملك محمد السادس والعاهل الإسباني فليبي الملك محمد السادس والعاهل الإسباني فليبي

منع التهريب حوّلهما إلى عبء على حكومة مدريد

أن تُبرمج الملكية في إسبانيا زيارة إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، ثم تتراجع عنها، بمبرر أن الحكومة هناك تفضلتجنب رد فعل غاضب من الرباط، وفق العبارة التي تداولتها الصحافة الإسبانية، حدث غير عادي في تطور العلاقاتبين البلدين الجارين. إذ اختارت الحكومة اليسارية في مدريد، المثقلة بوزراء شعبويين، عدم تكرار خطأ الحكومةالاشتراكية سنة 2007. هذه الأخيرة كانت قد سمحت للملك السابق، خوان كارلوس، القيام بأول زيارة إلى مليلية وسبتةمنذ عودة الملكية إلى إسبانيا سنة 1975، ما اعتبر حينها استفزازا مرفوضا من قبل المغرب، الذي ظل يطالب باسترجاعالمدينتين المحتلتين وسط تعنت إسباني ثابت.

من المؤكد أن أحزاب اليمين المتطرف في سبتة ومليلية تشعر اليوم، بامتعاض وخيبة إزاء قرار الحكومة الإسبانية بإلغاءزيارة الملك فيليب السادس، خصوصا وأن المدينتين تعيشان على وقع أزمة اقتصادية غير مسبوقة، منذ أن أغلق المغربالمعابر البرية مع مليلية المحتلة في يوليوز الماضي، ومع سبتة في دجنبر 2019، بحجة منع التهريب المعيشي الذي يُكبدالمغرب، حسب وزارة الاقتصاد والمالية، ما يناهز 700 مليار سنتيم سنويا.

الخبير المغربي في العلاقات المغربية ــ الإسبانية، محمد العمراني بوخبزة، أوضح أنزيارة الملك الإسباني تكونبمبادرة من الحكومة، لأن الملك يسود ولا يحكم، والحكومة من تتحمل المسؤولية السياسية عن تصرفات الملك“. واعتبربوخبزة أنإعادة النظر في برمجة الزيارة، يندرج في إطار الرغبة في عدم تعكير صفو العلاقات الثنائية التي تمر بمرحلةمهمة جدا“. مؤكدا أنالحكومة الإسبانية تعي جيدا أهمية تثمين العلاقة بالمغرب، وعين العقل أن تُلغى الزيارة، في الوقتالذي توضع جميع القضايا الخلافية جانبا“. لكن من المحتمل أن يتسبب قرار التراجع في توتر سياسي في سبتة ومليلية،خصوصا وأن رئيس الحكومة المحلية بمليلية سبق وأن طالب الملك الجديد، فيليب السادس، بزيارة المدينتين المحتلتين منذسنة 2015.

الموقف الجديد في العلاقات بين البلدين يمكن قراءته من زاويتين: الأولى أن الحكومة الإسبانية بإلغائها زيارة الملك فيليبالسادس، تكون قد اختارت الانحياز إلى خيار الشراكة الاستراتيجية الهادئة التي وقّع عليها الطرفان في زيارة الملكفيليب السادس إلى المغرب في فبراير 2019، ومقتضى ذلك أن المؤسسات الحاكمة في إسبانيا قدمت دليلا إضافيا بأنالعلاقات مع المغرب لم تعد ورقة انتخابية، بل قضية دولة. الزاوية الثانية تفيد أن تراجع الحكومة الإسبانية عن قرار الزيارةيهدف إلى دفع المغرب إلى إعادة النظر في قراره غلق المعابر البرية مع المدينتين المحتلتين، اللتين تعيشان على التهريب،وتعانيان أزمة خانقة قد تتفاقم مستقبلا، بما يجعل من سبتة ومليلية ليس متنفسا للاقتصاد الإسباني، كما كانت طيلةالعقود الأربعة الماضية، بل عبئا اقتصاديا حقيقيا على إسبانيا، وهي القراءة التي تفيد نجاح المغرب في خنق المدينتين،من خلال سحب الورقة الاقتصادية منهما.

الانحياز للشراكة الاستراتيجية

تفيد القراءة الأولى أن الحكومة الإسبانية حين قررت التراجع عن قرار زيارة الملك فيليب السادس إلى سبتة ومليلية، إنمااختارت الوفاء بالتزاماتها مع المغرب في بناء شراكة استراتيجية. تلك الشراكة التي أعلن عنها البلدان في أول زيارة للملكفيليب إلى المغرب في فبراير 2019، ووصفت في بيان رسمي للديوان الملكي بأنشراكة استراتيجية متعددة الأبعاد،تهدف إلىبالأساس، إلى تعزيز الحوار الدائم والتعاون الفعلي والمتبادل المنفعة بين البلدين“.

وتتمثل المبادئ المؤسِّسة لهذه الشراكة في: السيادة والوحدة الوطنية والترابية، والتسوية السلمية للنزاعات، والصداقةوحسن الجوار، والمساواة، والاحترام المتبادل، والحوار والتعاون المتكافئ، واحترام الشرعية الدولية. وتغطي الشراكة، بينالبلدين، ثلاثة مجالات عمل، هي الحوار السياسي والأمني، والحوار الاقتصادي، والحوار الثقافي والتربوي والإنساني. ففيما يتعلق بالحوار السياسي والأمني، تنص مذكرة التفاهم علىإنشاء مجلس للشراكة الاستراتيجية الشاملة،يرأسه وزيرا خارجية البلدين، وسيشكل إطارا للانتظام في إجراء حوار سياسي دائم حول جميع القضايا الثنائية(التعاون الأمني والعسكري والبرلماني واللامركزي، والتعاون في مجال الهجرة…)، والتشاور بشأن القضايا الإقليميةوالمتعددة الأطراف، والتنسيق بهدف تعزيز العلاقات النموذجية القائمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وفيما يتعلقبالحوار الاقتصادي، فسيتم إنشاءمجموعة دفع اقتصاديتهدف إلى توطيد العلاقات الاقتصادية (بما في ذلك فيمجال الطاقة)، والعلاقات التجارية وفي ميدان الاستثمار (البنية التحتية، والموانئ…)، وتعزيز المبادلات في مجال نقلالتكنولوجيا، والبحث والتطوير، فضلا عن تطوير مشروع الربط القار عبر مضيق جبل طارق، وتقوية التعاون الاقتصاديوالمالي من خلال آليات الاتحاد الأوروبي، وتعزيز التنسيق داخل المؤسسات المالية والاقتصادية والدولية، فضلا عنتشجيع تعاون ثلاثي متبادل المنفعة مع الشركاء الأفارقة.

وفي إطار الحوار الثقافي والتربوي والإنساني، يلتزم المغرب وإسبانيا بالانخراط في عملية تفكير تروم إنشاء كيان مكلفبتعزيز العمل الثقافي، غايته، على وجه الخصوص، تعزيز التعاون في مجالات التعليم والتكوين والبحث والعلوموالتكنولوجيا، فضلا عن تشجيع نقل التكنولوجيا من خلال إنجاز مشاريع للأبحاث المشتركة، وتوطيد الروابط الإنسانيةوالثقافية بين الشعبين المغربي والإسباني، لا سيما فئة الشباب، وتيسير التنقل بين البلدين، وتعزيز التواصل بين المجتمعالمدني في كلا البلدين، والتبادل بين وسائل الإعلام والصحافيين.

دون شك، تطلب التوصل إلى تفاهمات حول الشراكة الاستراتيجية بين البلدين تطوير مواقف عدة من طرف إسبانيا إزاءالمغرب، خصوصا الأمنية والسياسية والاقتصادية منها. إذ على صعيد الوحدة الترابية للمغرب، خطت الجارة الشماليةخطوات كبيرة نحو كسب ثقة المغرب، ففي 2018، حسمت إسبانيا موقفها من قضية الوحدة الترابية للمغرب، وباتت تعلنبأنها تدعم المسار الأممي، كما حسمت موقفها من مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لتسوية القضية، خصوصاوأن تلك المبادرة تحظى بدعم الحزب الاشتراكي العمالي الذي يقود الحكومة الإسبانية منذ 2018.

والملاحظ، في هذا السياق، أن الحكومات الإسبانية باتت لها حساسية تجاه أي موقف إسباني رسمي يمكن أن يشككفي التزاماتها المذكورة، أي في دعم المسار الأممي لتسوية نزاع الصحراء، والدليل على ذلك، تصدي وزيرة الخارجيةالإسبانية، أرانشا غونزاليس، لوزير الشؤون الاجتماعية وزميلها في الحكومة المنتمي إلى حزببوديموس، بعدمااستقبل وفدا من جبهة البوليساريو، إذ بادرت الوزيرة غونزاليس، على وجه السرعة، إلى تصحيح الخطأ في اتصالهاتفي مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، مؤكدة في تدوينة على حسابهاتويترأن الحكومة الإسبانية لا تعترفبما يسمىالجمهورية الصحراوية“. وسعيا وراء امتصاص أي غضب مغربي محتمل، دفعت الحكومة الإسبانية كل منالوزير المذكور، من أجل النأي بنفسه عن السياسة الخارجية الإسبانية التي تعود إلى الحكومة، ملتزما بذلك في تصريحرسمي.

وما يؤكد هذا التوجه، هو ما ورد في بيان لوزارة الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسبانية بتاريخ 3 يونيو2019، إذ جاء فيه أنالعلاقة مع المغرب بالنسبة إلى إسبانيا هي سياسة دولة ترتكز على الالتزام ببناء شراكةاستراتيجية شاملة، وهي عبارة تقول بأن العلاقات المغربية الإسبانية لم تعد موضوع مزايدات انتخابية، بل قضية الدولةالإسبانية بغض النظر عن الحكومة ومن يكون فيها من أحزاب.

وأكد البيان عينه، الذي صدر بمناسبة الزيارة التي قام بها وزير الشؤون الخارجية الإسباني السابق إلى المغرب لتفعيلمذكرة التفاهم حول الشراكة الاستراتيجية، أنإسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، كما أن البلدين يرتبطانبعلاقات تعاون نموذجية ومثالية في عدة مجالات مثل تدبير تدفقات الهجرة والتعاون في مكافحة الإرهاب، وهي إشارةأخرى إلى طبيعة المصالح الاستراتيجية بين البلدين، وهي مصالح اقتصادية وتجارية، ومصالح أمنية وسياسية كذلك.

بل إن البيان يبيّن استعداد إسبانيا بأن تلعب دور المحامي بالنسبة إلى المغرب بين أعضاء الاتحاد الأوروبي وداخلأجهزته، ولعل هذه المسعى يكشف عن التنافس الفرنسي الإسباني حول المغرب، لكن من وجهة نظر أخرى يمكن القول إنانضمام إسبانيا إلى فرنسا يمنح المغرب قوة وصوتا أقوى داخل الاتحاد الأوروبي الذي يمثل الشريك السياسيوالتجاري الأول بالنسبة إليه، خصوصا وأن البيان المذكور أشار صراحة إلى أنإسبانيا ترغب في أن ترتبط المملكةالمغربية والاتحاد الأوروبي بعلاقات أكثر كثافة وأكثر قوة، من أجل تكريس المنفعة المتبادلة بين كلا الطرفين“.

بيد أن إسبانيا لم تكن لتغير من سياستها الخارجية تجاه الوحدة الترابية للمغرب ومصالحه الاستراتيجية، لولا مصالحهاالاستراتيجية كذلك، التي تضخمت وباتت أقوى من أي اعتبارات أخرى تاريخية أو إيديولوجية. إذ يشير تقرير لوزارةالاقتصاد والمالية المغربية أن المقاولات الإسبانية العاملة في المغرب تتعدى 800 مقاولة، ومن أهم القطاعات التيتستقطب المستثمرين الإسبان الصناعة بـ33 % من الاستثمارات المباشرة، ثم السياحة والسكن بـ 24 % لكل منهما،وأخيرا قطاع الأبناك بـ12.%

ومنذ 2012، أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، بحيث أزاحت فرنسا لأول مرة، بحصة تفوق 16 فيالمائة، وتشتغل المقاولات الإسبانية في قطاعات أخرى مثل الطاقة والعقار والبنيات التحتية والتعاون المالي والسياحي،وفي الصيد البحري كذلك. لكن الحضور الإسباني يبقى ضعيفا في مجال الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بحيث تحتلالمرتبة السابعة بنسبة 3 في المائة فقط، بينما تتصدر فرنسا باقي الدول المستثمرة في المغرب بنسبة 27 في المائة منإجمالي الاستثمارات الأجنبية لسنة 2019، تليها أمريكا بنسبة 17 في المائة.

علاوة على المصالح الاقتصادية والمالية، نسجت الأجهزة الأمنية في البلدين علاقات تنسيق وتعاون مافتئت تتقدمباستمرار في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية والمخدرات الصلبة. ويمكن الإشارةفي هذا الصدد إلىبيان قرطبةلسنة 2013، الذي أعلن فيه عن قرار مشترك بإحداثلجنة استراتيجية للشرطة، منبين مهامها وضع الخطوط الاستراتيجية التي ستوجه التعاون الأمني بين البلدين، وهي اللجنة التي جرى تخويلها مهامتحديد أولويات عمل الأجهزة الأمنية في البلدين، واتخاذ وتقييم الإجراءات اللازمة لتنفيذ الخطوط الاستراتيجية للتعاونالثنائي“. وهي اللجنة التي تقرر أن تجتمع بشكل عادي مرة كل سنة بالتناوب بالبلدين، وبشكل استثنائي بناء على طلبأحد المديرين العامين للأمن. وهي خطوة تشير، مبكرا، أن تصورا مشتركا للأمن بصدد التبلور، ما عزز المضي نحو بناءشراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. وتشكل قضايا مكافحة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، والاتجار في البشر،والجريمة المنظمة، والجرائم الإلكترونية، وتبييض الأموال، أولويات أمنية مشتركة بين البلدين. وتدرك إسبانيا الدورالمغربي في التصدي للخلايا الإرهابية التي تنشط فوق التراب الإسباني، كما تدرك دوره المحوري في التصدي للهجرةغير الشرعية، وهي الظاهرة التي تقلق راحة أوروبا.

وفي هذا الصدد، يرى سمير بنيس، مستشار دبلوماسي، أنإسبانيا في حاجة ماسة إلى التعاون المغربي من أجلإنجاح كل الجهود التي تقوم بها لمحاربة ظاهرة الهجرة السرية بفعالية، خصوصا بعدما أغلقت إيطاليا حدودها بشكلنهائي في وجه المهاجرين السريين، مما سيجعل الجنوب الإسباني المدخل الوحيد لهؤلاء لأوروبا“. أبعد من ذلك، أشاربنّيس أن إسبانياتضغط بشكل غير مسبوق على الاتحاد الأوروبي من أجل حمله على تقديم مساعدات مالية للمغرب،من شأنها أن تساعده على التعامل بشكل فعّال مع ملف المهاجرين السريين الذين يريدون العبور صوب إسبانيا، إذ كثفتالحكومة الإسبانية من وتيرة اتصالاتها مع الاتحاد الأوروبي لحثه على الإسراع في الإفراج عن حزمة مساعدات ماليةتفوق 30 مليون يورو، لتمكين المغرب من الموارد الضرورية الكفيلة بمساعدته على التصدي لهذه الظاهرة بنجاعة“.

تبدو إذن، مصالح إسبانيا مع المغرب متداخلة وعميقة، بحيث يصعب التفريط بها بسهولة، بل إن الحكومات الإسبانية منذ2004 باتت تدرك أن المغرب يشكل عمقا استراتيجيا لإسبانيا، وليس تهديدا محتملا كما يتوهم اليمين المتطرف واليسارالشعبوي. وعليه، يبدو أن قرار الحكومة الإسبانية بإلغاء زيارة الملك فليب السادس إلى سبتة ومليلية، خلال جولته الحاليةإلى الجهات الإسبانية المستقلة، ومنها سبتة ومليلية، ينطوي على انحياز حكومي إسباني واضح للمصالح الاستراتيجيةالتي باتت تربط إسبانيا بالمغرب، والتي يبدو أن تحرص باستمرار على تحصينها من أي سوء فهم قد يعرض الثقة القائمةبين البلدين لأي اهتزاز ليس في مصلحة أي منهما.

خنق سبتة ومليلية

لكن القراءة السابقة التي تفيد انحياز الحكومة الإسبانية لعلاقاتها الاستراتيجية بالمغرب في تقديراتها السياسية، قدتبدو للبعض كما لو أن تلك الحكومة وكأنها تفرط في استقرار وازدهار المدينتين اللتين تعانيان أزمة خانقة بعد قرار المغربإغلاق معابر البرية معهما. الجواب يستدعي التمييز بين مستويين: الأول، أن إنهاء التهريب المعيشي من لدن المغرب قدأصاب المدينتين في مقتل، خصوصا وأن البديل بالنسبة إليهما غير واضح؛ المستوى الثاني، أن الحكومة الإسبانية، وهيتدرك أنها لا يمكن أن تتدخل في قرار سيادي للمغرب بإغلاق المعابر مع مدينتين محتلتين، ربما ترى أن الحوار يبقىالمدخل الوحيد لإيجاد حل لوضعية المدينتين مستقبلا.

بخصوص المستوى الأول، يتحدث الإسبان عنخنقالمدينتين، للقول إن وراء ذلك هدف سياسي محدد. إدواردو ديكاسترو، رئيس الحكومة المحلية في مليلية، قال لصحيفةإلباييسالإسبانية الاثنين الماضي إن منع المغرب للتهريبالمعيشي وإغلاقه للمعابر الحدودية بين الناظور والثغر المحتل، سيتسبب فيانهيار اقتصاد المدينة“. الحل الذي يبحثعنه دي كاسترو يوجد في مدريدسنترافع على موقفنا أمام لجن الحكومات بمدريد ولن نستمر في الإغلاق، علينا أننناقش الأوضاع مع الجانب المغربي في أقرب وقت ممكن، لكن وزير المالية في حكومة مليلية يرى أن الحل يكمن فيابتكار استثمارات جديدة، وإحداث نموذج اقتصادي جديد، يُمكّن تجار مليلية ومستثمريها من استرجاع نشاطهمالمعهود.

ويتحدث الصحافي الإسباني، إغناسيو سمبريرو، بدوره عنسياسة الخنق، إذ يرى أنهناك إرادة حقيقية تكمن فيعدم إدماج المدينتين في تنمية شمال المغرب“. ويقر سمبريرو، وهو صحافي مناوئ للمغرب، بمظاهر التنمية التي تمتدفي الشمال الشرقي من طنجة إلى تطوان والفنيدق والعرائش، ويعتقد أنه بعدما جرت تنمية مدن الشماليمر المغرب إلىالمرحلة الموالية، أي تضييق الخناق على كل من سبتة ومليلية“. ويلوم سمبريرو حكومة بلاده التي لا تستعمل وسائلهاالضاغطة على المغرب للرد على خطوة إغلاقه معبر باب سبتة في وضع البضائع المهربة، ويرى أن عدم فعلها ذلك ربمايعود إلى أن تدرك أن أي توظيف لتلك الوسائلقد يتسبب في زعزعة استقرار البلد الجار“.

من جهتها، أفردت صحيفةإل إسبانيولفي فبراير الماضي مقالا مطولا لتحليل القرار المغربي بالإغلاق، حيث اعتبرت،من جهتها، أن هناك خمسة عوامل أساسية ساهمت في دفع السلطات المغربية إلى محاولة تضييق الخناق على الثغرينالمحتلين وتدمير اقتصادهما المبني أساسا على التهريب المعيشي؛ السبب الأول، إدراك المغرب أن إسبانيا تمر بمرحلةالضعف، بفعل ضغوط الكاطالونيين للانفصال من جهة، ووجود حكومة إسبانية مشتتة من جهة ثانية، إذ لأول مرة شكلتالحكومة من تحالف هش يضم أحزاب متنافرة سياسيا؛ السبب الثاني، تحقيق المغرب اكتفاءه الذاتي، بفضل مينائيطنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط الضخمين، وبالتالي، فهو لم يعد بحاجة إلى مينائي سبتة ومليلية، إذ من مصلحتهخنق المعبرين حتى يستفيد من عائدات رسو السفن والعبور عبر الموانئ المغربية فقط. السبب الثالث، تبني المغرب سياسةخلق بديل اقتصادي لممتهني التهريب المعيشي، وهو ما بدأ بالفعل بالناضور عبر افتتاح مصانع كبيرة للنسيج، بينماتجري الاستعدادات للقيام بالمثل بالفنيدق وتطوان، وهو ما سيجنب المغرب احتقانا اجتماعيا كان عاجزا عن مواجهته فيمامضى. رابعا، امتعاض المغرب من ارتفاع شعبية حزبيفوكسوبوديموسالمعروفين بمواقفهما العدائية تجاه المغرب،خاصة في قضيتي الصحراء المغربية وحراك الريف، وبالتالي، فإن الإجراءات الجديدة جاءت كنوع من العقاب لهما،خصوصا في المدينتين. وأخيرا، الدعم الدولي غير المسبوق الذي يحظى به المغرب من طرف أمريكا، التي تعتبره قاعدةاستراتيجية لمواجهة الإرهاب في منطقة الساحل، بينما ترى فيه بريطانيا الوجهة المثالية لاستثماراتها بعد خروجها منالاتحاد الأوروبي.

الواضح أن القوى المناوئة للمغرب في إسبانيا لم تكن تتوقع أن يُقدم المغرب على قرار الإغلاق، وهذا لأنهم كانوا يعتقدونأن المغاربة يعيشون على التهريب المعيشي، وأن وقف التهريب في أي لحظة قد يتسبب في احتجاجات عارمة تأتي علىالاستقرار الهش في المملكة، لكن الحقيقة التي تبدو واضحة للعيان اليوم، هي أن الإسبان في سبتة ومليلية هم منتضرروا من هذا الوضع، وليس العكس.

وفي هذا السياق، يرفض رشيد أوراز، باحث رئيسي في المعهد المغربي لتحليل السياسات، الحديث أساسا عنخنقسبتة ومليلية، قائلا: “لا أرى أن الأمر يتعلق بخنق ولا بحصار للمدينتين، إنها وضعية لم تكن سليمة، وقد جرى تصحيحهامن خلال توفير شروط التنمية بنسبة معينة في المنطقة“. وأضاف أنالبعض يصر على القول بأن المغاربة كانوا يعيشونعلى التهريب، في حين أن الذي كان يعيش على التهريب هم الإسبان، الذين كانوا يصدرون سلعهم نحو المدينتين، فهمالرابح الأول، ويتابع: “صحيح أن هناك بعض الوسطاء المغاربة، لكن لا يبدو لي أن التهريب جعل منهم أثرياء، ولميساهم في تطوير مقاولات كبيرة أو متوسطة، لقد ظلوا طيلة عقود يراوحون مكانهم، وشكاواهم ومعاناتهم بعد وقفالتهريب تؤكد أن التهريب لم يكن سوى قناع مزيف وضع على واقع الفقر والهشاشة“.

ويشير أوراز، كذلك، إلى أن تنمية مناطق الشمال والريف المجاورة لكل من مدينتي سبتة ومليلية، قد ساهمت في الحد منالتفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين المدينتين المحتلتين والمدن المغربية الأخرى، ما جعل القرار المتمثل في إغلاق معبرمليلية في يوليوز 2019، ثم معبر سبتة في دجنبر 2019، يمضي دون أي رد فعل من لدن السكان، فلم تندلع أياحتجاجات، كما كان يتوقع ذلك الإسبان.

لكن لا يعني ذلك أن الوضع الاجتماعي للآلاف من ممتهني التهريب لم يصب في مقتل، إذ تعيش المدن المجاورة مثلالفنيدق والمضيق بالنسبة إلى مدينة سبتة، ومدن الناظور وفرخانة وبني نصار بالنسبة إلى مليلية، ركودا اقتصاديا منذعدة أشهر، بينما تقول الحكومة إنها بصدد إعداد بديل اقتصادي وتجاري يتجلى في إنشاء مناطق للأنشطة الاقتصاديةالحرة، وهو البديل الذي يحتاج إلى وقت حتى يكون جاهزا، فضلا عن أنه لا يلائم ممتهني التهريب، وأغلبهم نساء بدونمستوى تعليمي يؤهلهن للعمل مع مقاولات اقتصادية كيفما كان مجال عملها.

ما الحل إذن؟ يبدو أن الحكومة الإسبانية تراهن على الحوار مع المغرب لإيجاد مخرج للأزمة الخانقة في المدينتين، لكن لايبدو أن بيدها أي ورقة ضغط تجاه المغرب، والدليل أن قرار الإغلاق لم يُتخذ مثلا، بعد استشارة مع الحكومة الإسبانية،لأن المغرب يعتبر سبتة ومليلية محتلتين، ولا يعترف بشرعية الاحتلال الإسباني حتى ينسق معه فيما يخص أي إجراءتنظيمي أو إداري يتعلق بمعابر المدينتين.

لذلك، من الواضح أن إغلاق المعابر سيستمر، إذ جرى استثناؤها من قرار 14 يوليوز الجاري بشأن فتح المعابر الجويةوالبحرية في سياق إجراءات حالة الطوارئ الصحية بسبب فيروس كورونا، ويبدو أن من آخر انشغالات الرباط حالياالتفكير في إعادة فتح معابر سبتة ومليلية، وقد أقرت الناطقة الرسمية باسم الحكومة الإسبانية، قبل أيام، بأنها تجهلتاريخ إعادة فتح هذه المعابرلا أعرف متى يقرر المغرب فتح المعابر الحدودية“.

لكن الراجح أن السلطات المغربية قررت، من جهتها، إعادة تأهيل معابر المدينتين، ففي جواب كتابي على سؤال برلماني،قال وزير الاقتصاد والمالية، محمد بنشعبون، إن السلطات العمومية تشتغل علىرؤية جديدة، سيتم في إطارهاإعادةالهيكلة البنيوية والتنظيمية لمركز باب سبتة، والتي جرى التخطيط لها بهدف الرقي بهذا المركز إلى مستوى باقي نقطالعبور الحدودية الخاضعة لمعايير السلامة والأمن الدوليين“.

ويلاحظ أن عملية تأهيل تلك المعابر من لدن إدارة الجمارك ووزارة الداخلية، تأتي بينما شرعت مقاولات قبل أيام في تهيئةمنطقة للأنشطة الاقتصادية فوق تراب جماعة الفنيدق بغلاف مالي قدره مليون درهم، وذلك على بعد أمتار من مدينة سبتة،الهدف منها توفير بديل اقتصادي لممتهني التهريب في مدن الفنيدق المضيق تطوان، وهو جواب ينضاف إلى مشاريعأخرى، استطاعت أن تجعل من منطقة الشمال والريف مناطق جذب اقتصادي وسياحي واستثماري أمام سبتة ومليلية،ويبدو أنه الخيار الذي أسهم، بهدوء، في سحب الورقة الاقتصادية من المدينتين المحتلتين، ويرجّح مستقبلا أن يجعل منهماعبئا اقتصاديا على إسبانيا، قد يدفعها إلى البحث عن حل جذري مع المغرب، بدل الاستمرار في تحمل الخسارة التيباتت مؤكدة، وقد تزداد مع الأيام.