محمد جليد يكتب: التصريحات المتوجة في التربية المعوجة

محمد جليد محمد جليد

الرأي

يقال إن السياسة تشبه الألعاب السحرية، إذ لا يقتصر فيها الساحر على إخراج الأرنب من القبعة أو جيب السترة، وإنما ينبغي أن يفعل ذلك بطريقة ماهرة وممتعة. للأسف، لا ينطبق هذا القول على سعيد أمزازي، وزير التربية والتعليم. وإذا كان باقي الوزراء والساسة المغاربة لا يستثنون من هذا التشبيه البليغ، فإن أمزازي أسوؤهم في محاولة إخراج أرنب المدارس الخاصة من قبعته أو جيب سترته، أو حتى من قب جلبابه، لا يضاهيه في هذا السوء سوى الوزير السابق، لحسن الداودي، في لعبته مع الشركة الفرنسية إبان حملة المقاطعة.

لنصف تصريحات أمزازي الأخيرة بلغة مباشرة، بعيدا عن الاستعارات التي لا يحفل بها الوزراء والساسة المغاربة، في إصرار شديد على معارضة نظرية «جورج لايكوف» الشهيرة في علم الدلالة. إذ لا تنم تصريحاته هذه الرامية إلى الدفاع عن المدارس الخاصة عن المغالطة فحسب، بل تدل على لامبالاته بما يسمى في الاصطلاح السياسي الأمريكي والبريطاني بـ«الكياسة السياسية». لامبالاة تنضاف إلى فهاهته اللغوية وخلطه الفظيع بين مفاهيم واضحة معانيها، مثل «التماسك» و«الاندماج».

لماذا تفتقر تصريحات أمزازي إلى النظر السياسي الصائب؟ الجواب بسيط للغاية، قوامه أن الرجل ليس سياسيا، حيث تفضح تقنوقراطيته المشروع الرسمي الهادف إلى خوصصة التعليم برمته، والتخلص من أعبائه التي ظل الوزراء المتعاقبون على رئاسة الحكومة يشتكونها. إذ لم يفلح الوزير في تغليف هذا المسعى في تصريحاته الأخيرة على الخصوص، كما فعل أسلافه من قبل بصمتهم على الأقل. يتبدى هذا أساسا من تصريحه بأن المدرسة العمومية لن تتمكن من استيعاب تلاميذ المدارس الخاصة، بعدما رأى استفحال الأزمة الأخيرة بين أرباب هذه المدارس وآباء وأولياء التلاميذ والتلميذات، ورفض تهديد عدد كبير منهم بالامتناع عن أداء واجبات يرون أنها غير مستحقة، وتهديدهم بسحب أبنائهم من تلك المدارس وتسجيلهم في مؤسسات التعليم العمومي.

ينم تصريح الوزير هذا، في العمق، عن خشية من إخفاق مشروع خوصصة المدرسة، والذي قطع أشواطا كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، بدعمه تارة، وإعداد ظروف مناسبة تارة ثانية، وإغماض العين عن عيوبه وتجاوزاته تارة ثالثة أخرى. لكن، يبدو أن ساعة الحقيقة اقتربت، بعدما بدأ الآباء والأولياء يكتشفون أن الوعود التي تقدمها المدارس الخاصة زائفة، وأن هذه المؤسسات، التي كانت في السابق ملجأ للتلميذ الفاشل، ما هي في الحقيقة سوى فضاء لتصريف سياسة التعليم الفاشلة (كما قال أحدهم).

ثاني التصريحات التي تكشف قصر النظر السياسي الصائب لدى أمزازي ما جاء في ندائه/دعوته الآباء والأولياء، خاصة من موظفي الدولة، إلى أداء ما بذمتهم من واجبات تجاه المدارس الخاصة. فإذا كان هذا النداء/الدعوة يسعى، من حيث ظاهره، إلى جبر خواطر أرباب هذه المدارس الذين طالبوا، «بلا حياء ولا حشمة»، بالاستفادة من صندوق تدبير جائحة فيروس كورونا، إلا أنه يحاول، في العمق، أن يخفي قطعة الجليد العائم تحت مياه هذه المدارس، في تواطؤ سافر مع أربابها الذين يخرقون النظام الأساسي للمدارس الخاصة ومرسومها التطبيقي (أو دفتر التحملات، حسب لغة الإعلام)، كما سنوضح في ما تبقى من هذا المقال. ذلك أن بعض الآباء والأولياء يرفضون أداء الواجبات كاملة، والبعض الآخر يرفضون دفعها أصلا، لأن المنطق يقول إن سعر دروس التعليم عن بعد لا ينبغي أن يعادل سعر الدروس المباشرة، ولأن الواقع يؤكد أن ما يسمى بـ«التعليم عن بعد» ليس سوى دروس تقدم للتلميذ/ة عبر الفايسبوك أو الواتساب، ولا جسد بأي حال من الأحوال دروس الأقسام الافتراضية -كما ترسخت في التجربة الغربية- أي باعتبارها أقساما تفاعلية تحاكي الأسقام الواقعية، لكن عن بعد.

ليس هنا مربط الفرس. إذ لا تنحصر مصلحة التلميذ في الأداء، كما يتصور أمزازي، متوهما أو موهما. ذلك أن مصلحته لا ترتبط بهذا الجانب نهائيا، وإنما بجبل الجليد الذي يسعى الوزير جاهدا إلى إخفائه؛ أي بنود دفتر التحملات الذي لا تحترمه أغلب المدارس الخاصة. لو طاف الوزير بهذه المدارس، مثلما يفعل هذه الأيام بحجرات امتحانات الباكالوريا، لرأى مدارس أشبه بالبيوت، أقسامها لا تصل مساحتها إلى الأمتار السبعة المربعة التي يحددها القانون، وللاحظ دون شك غياب الساحات والمساحات الخضراء والملاعب (بعضها يستغل السطوح لجعلها ملاعب، رغم ما يشكله ذلك من خطر على التلاميذ)، وغياب فضاءات النظافة الكافية كالمراحيض والصنابير، فضلا عن غياب ما يسمى بالحياة المدرسية (الأنشطة الثقافية، النوادي الفنية والرياضية…).

في هذا السياق، من المفروض أن تعين الوزارة، باعتبارها مسؤولة عن القطاع عامه وخاصه، لجنة تربوية تكون مهمتها إعداد تقارير دورية حول جودة العملية التربوية والبيداغوجية برمتها وسيرها في المدارس الخاصة، ولجنة صحية تعنى بمدى احترام شروط الصحة والنظافة ودورة المياه وغير ذلك، ولجنة تقنية يكون عملها، مثلا، التحقق من مدى صلاحية البنايات التي تتخذها هذه المدارس فضاءات للتدريس، واتخاذ الإجراءات القانونية بناء على ذلك، ولجنة قانونية تكون غايتها مراقبة مدى احترام التشريعات والمقتضيات القانونية والتنظيمية داخل هذه المدارس وخارجها، على أن يتحمل أرباب هذه المدارس ومديروها، وأيضا المسؤولون في الأكاديميات الجهوية والوزارة، المسؤولية في حال تسجيل خروقات واختلالات. هنا، بمقدور المرء أن يتساءل، مثلا، عن مدى احترام هذه المدارس دور جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، وعن تمثيليتها في مجالس المؤسسة ومجالس التدبير، وعن مدى مشروعية محاضر وتقارير هذه المجالس التي تبلغ بها الأكاديميات والوزارة في غياب توقيع رؤساء هذه الجمعيات أو من ينوب عنهم. كما بمقدوره أن يتساءل، في حال وجود هذه الجمعيات، عن مشروعيتها من خلال تجدد هياكلها دوريا وفق جموع عامة أو استثنائية يفرض قانون الجمعيات أن تعقد سنويا أو مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات. من جانب آخر، يمكنه أن يتساءل عن مدى احترام هذه المدارس للتأمينات، وهل تطلع الآباء والأولياء على بوليصاتها ووصول أدائها أم لا، الخ.

ثمة إذن عشرات الملفات التي أثارها أخيرا الآباء وأولياء التلاميذ والتلميذات، وكذا التنسيقيات التي تأسست حديثا دفاعا عن مصالح أبنائهم، لكن الوزير لم يجب عنها، في ما يمكن اعتباره توفير حصانة لأرباب هذه المدارس. كان من المفروض، بما أن جائحة كورونا قدمت مناسبة لا تعوض، أن تسعى الوزارة إلى معالجة وضع هذه المدارس، رغم أن المنطق يقتضي أصلا أن يكون التعليم مجالا سياديا للدولة، وألا يكون مجالا للاستثمار الخاص. لكن يبدو أن الوزير الحالي عازم على المضي في نظريته المعوجة، تتويجا لسياسة عمومية مقيتة في خوصصة هذا المجال، ورثها عن أسلافه.