عبد الرحيم العلام يكتب.. عندما طُلِب من القصر تعيين حكومة طوارئ جديدة! – اليوم 24
الباحث في العلوم السياسية عبد الرحيم العلام - ارشيف
  • GenJesus

    اللواء خيسوس أرغوموسا: بلار نزاع مسلح محتمل مع المغرب

  • المستشفى العسكري- كورونا

    تقارير خاصة حول تحديث الترسانة العسكرية المغربية.. المغرب تحت مجهر الجيش الإسباني

  • وقوف الحجاج عرفة - الحج عرفات

    السعودية “تفرض” غرامة على كل من يخالف تعليمات منع دخول المشاعر المقدسة

الرأي

عبد الرحيم العلام يكتب.. عندما طُلِب من القصر تعيين حكومة طوارئ جديدة!

توافقت ثلاث إرادات دون سابق تنسيق أو تعارف؛ إرادة صاحب جريدة مشهورة، انتقل من تأييد الحكومة إلى معارضتها دون سابق إنذار، وإرادة المساهمين في «بنك مركزي»، تضرروا من قرار تعويم العملة، وارتفاع سعر الواردات، وإرادة قائد مظفر بالأوسمة، لم يستسغ قرار إعفائه من مسؤوليته من لدن حكومة لم تحقق أي شيء، حسب وجهة نظره، ويتزعمها شخص نكرة لا أمجاد له، فجرت الدعوة إلى اجتماع احتضنه مقر البنك، ودار الحوار الآتي:

الداعون إلى الاجتماع: الدولة مفلسة، وحلفاؤنا يائسون، وأمننا القومي ضعيف، وإذا استمر هذا الوضع، فسنصبح دولة تابعة ومنبوذة. بل تَزيّد كبيرهم، بالقول: أنا أفضّل الموت على أن أقف مكتوف اليدين، لذلك وضعت أنا وزملائي خطة لإعادة الدولة إلى وضعها الطبيعي.

سألهم القائد المغبون: ما هي؟

أجابوا: تغيير رئيس الحكومة، وتعيين حكومة طوارئ جديدة، لأننا نريد شخصا يوحد الشعب، ويكسب احترامه. شخصا تولى منصبا قياديا في ما سبق. لذلك، فإننا لن نجد من هو أفضل منك لتولي هذه المهمة.

أجابهم القائد المغبون: الآن علي أن أضع أصبعي في أذني، حتى لا أسمعكم. فأنا وإن كانت لديّ تحفظات كثيرة على رئيس حكومتنا، إلا أن ما تتحدثون عنه يحمل عنوان انقلاب في حقيقة الأمر، وأنا لا يمكنني أن أقبل به، وقد عشت طيلة حياتي أدافع عن الديمقراطية.

ردوا عليه: ما تقوله ينطبق على الأحوال العادية، أما الوضع الحالي، فهو يؤشّر على أزمة، كما أنه لم يكن لنا أن نقبل بتجاوز الدستور لولا الأزمة التي تمر منها البلاد.

ولأنهم أصروا عليه، وأحاطوا به من كل الجوانب، وأمعنوا في إيقاظ ما انطوت عليه نفسه من طموح، فإنه طلب منهم مهلة للتفكير، ضاربا لهم موعدا في بيته. ولما زاروه بعد انصرام المهلة، وجدوه وقد غير رأيه، وراح يشرح لهم كيف أن إمكانية إحداث انقلاب على الحكومة أمر غير ممكن دون مساعدة «العرش»، من خلال حل البرلمان، وإعلان حالة الطوارئ، وتهييء الشعب لانتخابات جديدة، يفوز فيها التيار المعارض لحزب رئيس الحكومة. وقد تكفل المعني بالأمر بإقناع الجالس على العرش بضرورة التخلي عن دعم الحكومة، مستغلا قربه منه.

في ظل هذه الترتيبات، اتصل رئيس الحكومة بالقصر، ونقل إليه إخبارية تؤكد وجود مؤامرة على الحكومة. وعلى إثر هذه الاتصال، جرى استدعاء القائد المغبون إلى القصر، من أجل استفساره عن حقيقة الموضوع. إلا أنه ما إن برَح مكتب الاجتماع داخل القصر، حتى بادر إلى تأكيد الرواية، وشرع في بسط حججه من أجل الوصول إلى هدفه المتمثل في إقالة رئيس الحكومة، وتعيين حكومة طوارئ جديدة، بمشاركة شخصيات من عالم الأعمال، تعيد للبلاد اعتبارها، فساد النقاش الصاخب التالي:

القائد المغبون: لماذا تدافع عن رئيس حكومة ضعيفة؟

التاج: لا أدافع عن رئيس حكومة، وإنما أحمي الدستور، وأحمي الديمقراطية.

القائد: ولكن قلب تلك الديمقراطية هو من يسعى إلى تدميرها. فهل نبقى مكتوفي الأيدي دون أن نفعل شيئا؟

العرش: عدم فعل شيء، هو ما ينبغي أن نقوم به، حفاظا على صلاحيات كل مؤسسة دستورية، وما علينا إلا أن ننتظر الذين جاؤوا برئيس الحكومة من خلال صندوق الانتخاب أن يطردوه عن طريق الصندوق نفسه، إن كانت تلك هي رغبتهم أصلا. ثم نظرت الملكة إلى زعيم الانقلابيين، وهو بالمنسابة خالٌ لزوجها، وأضافت: أعلم أنك خُلقت للعمل، وأنك تفتقد المسؤولية والزعامة، وتريد أن يكون لك موقع في السلطة، لكن هذا لن يكون عبر الانقلابات غير الدستورية.

لا أدري إن كان هذا ما حصل بالفعل سنة 1967، خلال حكومة «ويلسون» الأولى مع معارضيها في بريطانيا، وموقف الملكة إليزابيث الثانية من محاولة إزاحة هذه الحكومة خلافا للترتيبات الدستورية، أم إن الحلقة الخامسة من الموسم الثالث من المسلسل الشيق «The Crown» قد اختلقته، لكن الذي هو أكيد وغير مشكوك فيه، وليس من وحي خيال كاتب مسلسل عالمي يحكي قصة قصر «باكنغهام» والجالسة على عرشه، هو الحدث الذي تتبعنا فصوله أواخر سنة 2019، عندما أبان الشعب البريطاني ومؤسساته السياسية والقضائية عن رسوخهم من حيث احترام أعرافهم القانونية والدستورية (مع التسطير على عبارة أعرافهم وقوانينهم، أما الرسوخ في الديمقراطية، فهذا أمر فيه نقاش كما هو حال كل الديمقراطيات).

ودونما توقف عند تفاصيل ما حدث، فإن إجمال الموضوع يتعلّق بممارسة غير ديمقراطية كاد الوزير الأول البريطاني يجعلها عرفا، لولا أن تصدى له الشعب والقضاء والمعارضة البرلمانية. وذلك عندما نَصح بوريس جونسون الملكة إليزابيث الثانية بتعليق البرلمان مدة خمسة أسابيع إضافية، حتى يتمكن هو من تمرير الخروج من الاتحاد الأوروبي دون صخب المعارضة وتشويشها. ولأن الملكة ما كان في وسعها رفض «نصيحة/طلب» رئيس حكومتها، لأنها لا تملك الصلاحيات ولا القوة لذلك، فإنها أومأت برأسها موافقة (رغم أن تقارير إعلامية بريطانية -لم يؤكدها القصر- نشرت أن الملكة فكرت في إقالة جونسون، لكنها لم تجد السند القانوني)، ومع ذلك، فهي لم تتلق لوم الشعب ولا لوم المعارضة، وإنما توجّه الشعب إلى الشوارع وتوقيع العرائض ضد القرار الذي وصفوه بالمستبد، فيما توجهت المعارضة إلى القضاء لاستصدار حكم يوقف القرار.

ولأن المسألة غير محسومة كليا، مادام يمكن تعليق جلسات البرلمان بمناسبة انعقاد المؤتمرات الحزبية الرئيسة، فإن المحكمة الأولى التي قصدها نواب البرلمان رفضت البت في الموضوع، بذريعة أن القضية سياسية وليست قانونية حتى تبت فيها. طبعا، لم ييأس النواب من الأمر، وإنما أعادوا التوجه إلى محكمة أخرى، قضت هذه المرة بلاقانونية قرار جونسون، معتبرة إياه محاولة لمنع البرلمان من القيام بمهمته الرقابية. غير أنه، وبقدر ما ابتهجت المعارضة، فإن القرار لم يرق الحكومة ومناصريها، فتوجهوا بدورهم إلى استئناف الحكم الابتدائي الذي قضت به محكمة في اسكتلندا (تضم بريطانيا إنجلترا، اسكتلندا، ويلز وإيرلندا الشمالية) أمام المحكمة العليا (جرى إحداثها سنة 2009، وتتكون من رئيس ونائب عام وعشرة قضاة، جرى تعيينهم بطريقة معقدة باشتراك لجان التعيين ووزير العدل ورئيس الحكومة وبمباركة من الملكة، ويُتخذ القرار بحضور 11 قاضيا إضافة إلى الرئيس)، متمنين أن تأتيهم بحكم مخالف لقرار المنع، إلا أن الحكم جاء مرة أخرى بما لا تشتهيه رياح مناصري جونسون، إذ قررت المحكمة أن القضية مقبولة شكلا، أي أن لها زاوية قانونية يمكن أن تستند إليها المحكمة، أما مضمونا، فقد رأت المحكمة أن قرار الحكومة تعليق جلسات البرلمان مدة مؤقتة، يحول دون قيام الأخير بعمله الذي يتجلى في التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية، بل زادت المحكمة الأمر تفصيلا، بأن وجدت في: «نصح جونسون للملكة بتعليق عمل البرلمان، إنما هو مسألة غير قانونية، ومن شأنها التأُثير في الديمقراطية البريطانية»، وختمت المحكمة قرارها بعبارة حاسمة: «قرار تعليق جلسات البرلمان غير قانوني، وباطل، ودون تأثير» (ورد القرار في 24 صفحة، تناولت فيه المحكمة 70 حيثية).

لم يمضِ القرار بعيدا نحو توجيه الأمر إلى البرلمان لكي يجتمع، فهذا أمر ليس من صلاحيات المحكمة العليا، التي لم «تتأسف» لأن الوزير الأول اتخذ ذلك القرار، بما أن لغة المشاعر ليست ضمن القاموس القضائي، وإنما تركت أمر اتخاذ القرار للمعنيين بالأمر، وهنا انتهى عمل المحكمة العليا، التي أبانت عن استقلالية تامة عن كل المؤسسات، وبدأ عمل البرلمان والحكومة، إذ دعا المتحدث باسم مجلس العموم البرلمان إلى الانعقاد الفوري، أما الحكومة، فهي لم تذهب للبحث عن حِيل أخرى لدى خبراء القانون، وإنما صرح رئيسها بأنه سيحترم قرار المحكمة رغم أنه يخالفها، وأسدل الستار على الجانب القانوني للموضوع، رادّا إياه إلى طبيعته السياسية، وذلك من خلال الدعوة إلى انتخابات جديدة، بما أنه قد تأكد لديه أن الحيل غير الديمقراطية لمنع المعارضة من القيام بواجبها لم تعد ممكنة في ظل وعي شعبي عارم، ومؤسسات دستورية لم تمنعها محافظتها من الانتصار للقيم الديمقراطية، ولم ترفض أن تبت في قضية أحالها عليها حزب عمالي تقدمي، ولم تر في الموضوع قرارا سياديا بذريعة أن الملكة قد أحاطته بموافقتها، بل استحقت الملكة اعتذارا من الذي «طلب/نصحها» بتعليق البرلمان، وذلك بأن اتصل بها جونسون مباشرة بعد صدور القرار النهائي للمحكمة العليا، واعتذر إليها عن طلبه تعليق عمل البرلمان!

 

شارك برأيك