يونس الخراشي يكتب: قيمة القيم

يونس الخراشي يونس الخراشي

الرأي

لطالما نادى كثيرون بالفصل بين الرياضة والسياسة، دون أن يدركوا بأن ذلك مجرد كلام. فحتى وإن كان محرك أولئك المنادين بالفصل بينهما هو خشيتهم على الرياضة من الانتهازية، فإن الواقع أثبت دائما بأن الأمر مستحيل، وبأن هناك ترابطا وثيقا بين الاثنين، وأيضا، وهو الأهم هنا، بأن هناك رجال سياسة صنعوا مجد الرياضة بنزاهتهم.
بدأت الرياضة بشكلها العصري في بلادنا مع الحماية، ويؤكد المؤرخون بأن النسخة الأولى من طواف المغرب، مثلا، انطلقت سنة 1921، تحت عناية الماريشال ليوطي. أما أول ملعب لكرة القدم، فأنشئ سنة 1907، بمدينة وجدة، ودائما تحت عناية العسكر الفرنسي. وفي المقابل، فإن “النضال بالرياضة”، إن جاز لنا أن نسميه كذلك، بدأ مع فرق لكرة القدم، وبلغ ذروته مع العصبة الحرة.
هكذا يتضح بأن الرياضة في المغرب؛ وحدث هذا في تجارب أخرى كثيرة، نشأت في ظل السياسة؛ أكانت بالزي العسكري أو المدني. ثم حين راحت تبحث عن نفسها، بعيدا عن الحماية وسطوتها، وجدت نفسها في معمعان المقاومة. ثم ارتبطت ارتباطا وثيقا بكل المحطات السياسية التي شهدها المغرب لاحقا، وبالتالي برجالاتها؛ أكانوا في الحكم أم في المعارضة. وهنا يبرز اسم عبدالرحمن اليوسفي، رحمه الله. فهذا الرجل الذي ولد في طنجة، سنة 1924، وبكاه المغاربة، قبل أيام، مؤكدين أنه مثال عظيم للنزاهة، هو بالذات من أسس نادي الاتحاد البيضاوي لكرة القدم، وهو بالذات من أسهم في تأسيس العصبة الحرة لكرة القدم، رفقة زميله، المناضل الفذ، عبدالسلام بناني؛ أحد أبرز قادة المقاومة والعمل الوطني.
وإذن، فعبد الرحمن اليوسفي رجل نزيه بشهادة المغاربة، مع أنه ارتبط منذ البداية بالرياضة والشأن الرياضي. ألم يكن هذا الزعيم الوطني، والمعارض الشرس، وعراب حكومة التناوب، هو من اقترح على الملك محمد الخامس خلق مسابقة باسم كأس العرش؟ ألم يكن هو بالذات من قام على المسابقة بكل جهد كي تنتظم الفرق الحرة، وتجرى نهايتها في المشور السعيد، وبحضور ولي العهد مولاي الحسن أو أحد الأمراء؟ نعم، هو كذلك.
رجل تميز بالنزاهة، وارتبط بالرياضة، فوسمها بوسمه، وجعل منها نشاطا جسمانيا مجتمعيا ثقافيا نزيها، يتغيى الإسهام في استنهاض همم الشباب، ودفعهم للوعي بواقعهم، المتمثل في الوجود تحت قيد الحماية، ومن تم السعي إلى تغييره، وصولا إلى واقع جديد، وهو التحرر، والانطلاق نحو أفق مغربي خالص. ولم يكن اليوسفي وحده الرجل المثال الذي ارتبط، في تلك الفترة من تاريخ المغرب، برياضة نشأت في حضن السياسة والسياسيين. بل إن من ارتبطوا بالحركة الرياضية المغربية طبعوا حقبة من النضال الوطني، وتبعهم، بإحسان، جيل آخر من الشباب، حاولوا جهدهم أن يطبعوا الرياضة بطابع النزاهة؛ فقط لأنهم كانوا نزهاء.
ولحسن حظ الرياضة المغربية في ذلك الزمن، فقد تخرج منها رياضيون ومدربون ومسيرون انشغلوا بالنشاط الرياضي أكثر من غيره، حتى إن أغلبهم قضى نحبه تحت عتبة الفقر، حين أدركته الحقبة التالية، حيث سرق المشعل بعض الانتهازيين، ممن استعملوا الرياضة، وما يزالون إلى اليوم، لأغراض خاصة، بوصولية منقطة النظير.
وبقدر ما كانت الرياضة المغربية أشبه بخيمة تؤوي إليها أسرة كبيرة، حتى إن أغلب الرياضيين والمدربين والمسؤولين كانوا يعرفون بعضهم عن كثب ويحدبون على بعضهم بحنو، فإن وقوعها في يد بعض الانتهازيين حولها تماما، وجعل منها سوقا للبيع والشراء، يعلو فيها صوت المصلحة الشخصية، ولا يسمع فيها أي صوت للضمير والنزاهة.
يتضح إذن، وبالدليل، بأن الفصل بين الرياضة والسياسة ليس شرطا ضروريا كي تنمو الحركة الرياضية وتزدهر في جو شفاف، بقدر ما يتعين فصل السياسة نفسها، وهي توأم الرياضة، عن الفاسدين، حتى تمضي في طريقها الصحيح، ويكون ارتباطها الوثيق بالشأن الرياضي حاضنة سليمة ورافدا قويا وداعما متينا. المسألة لا تتعلق بعالم نبيل وآخر فاسد، بل هي مسألة أشخاص يطبعون المجالين معا بقيمهم، أكانت قيما نبيلة أو مسيئة. السؤال الآن: إذا لم يكن الفصل بين الرياضة والسياسة هو الحل لتنضو الرياضة عنها قيم الانتهازية التي طبعها ويطبعها بها سياسيون وصوليون، فما الحل إذن؟ يتعين علينا أولا أن نعي بأننا، في وقتنا الحاضر، نعيش حقبة التافهين، ممن تحكموا في الكثير من الأشياء ذات القيمة، ضمنها الرياضة، وحولوها إلى وسيلة للتسطيح والتتفيه، وبالنتيجة الاغتناء على حساب الجماهير. وهكذا فإن مجرد الوعي بذلك مهم للغاية. ألم يقل الراحل المهدي المنجرة :”أن يكون الإنسان واعيا بقيمة القيم، فتلك قيمة في حد ذاتها”.
تاليا، سيكون طبيعيا، وقد كسر “نظام التفاهة”، بتعبير ألان دونو، بما هي “النظر إلى ما هو غير مقبول وكأنه حتمي”، أن يصل أشخاص نزهاء إلى سدة التسيير الرياضي؛ بأنواعه، بواسطة جمعيات عمومية شفافة، ليطبعوها، مجددا، بالقيم النبيلة. فليس هناك من حل آخر. ذلك أن مجتمعا يعي قيمة الرياضة كممارسة ثقافية في حياته اليومية، وقيمة أن يمنح تسييرها لأشخاص يعرفون تلك القيمة، ويضعونها حيث ينبغي، هو المنشود. أخيرا، لنكرر السؤال:” لماذا أثر رحيل عبد الرحمن اليوسفي في المغاربة؟”. الجواب كما قلنا: لأنه رجل نزيه، ومتعفف. ولأن الناس يتوقون إلى هذا النوع من الأشخاص كي يدبر شؤونهم اليومية، وضمنها الرياضة بأنواعها.
ولكن، لماذا لم يعد مجتمعنا ينتج أشخاصا مثل اليوسفي؟ وهل يصح أن نبكي جميعا شخصا بهذا النبل، ثم لا نكون نبلاء؟