اسماعيل الحمودي يكتب: إعادة اكتشاف جميلة – اليوم 24
اسماعيل الحمودي
  • اسماعيل الحمودي

    اسماعيل الحمودي يكتب: إعادة اكتشاف جميلة

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: التكنوقراط مرة أخرى

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: لنغير سلوكنا

الرأي

اسماعيل الحمودي يكتب: إعادة اكتشاف جميلة

يبدو أن المغاربة قد أعادوا اكتشاف الأنترنت من جديد. في كل يوم يتاح للمواطن المغربي، عبر وسائل البث الرقمي، وتطبيقات التواصل الاجتماعي، كسر التباعد الاجتماعي الذي اقتضته خطة مواجهة جائحة كورونا، من خلال بناء تقارب افتراضي، على أساس تقاسم الآراء والأفكار والمواقف بخصوص ماضي المغرب وحاضره ومستقبله.

في كل يوم يُتيح الأنترنت لكل مغربي ومغربية تتبع عشرات، إن لم تكن المئات، من النقاشات الثرية بشكل متواتر لا يكاد يتوقف؛ سواء في شكل محاضرات، أو ندوات فكرية وسياسية، أو حتى نقاشات مفتوحة بين شباب باحثين أو غيرهم، على تطبيقات مختلفة. لقد بات أخيرا بإمكان أي مواطن، في أي حي أو حتى قرية نائية بين الجبال، تتبع نقاشات رفيعة المستوى لمفكرين وعلماء وباحثين كان يصعب على غير المقيمين في المدن الكبرى الوصول إلى أفكارهم، والاستماع إلى آرائهم بشكل مباشر ومبسط على تطبيق «الفايسبوك» مثلا، بل والتفاعل معهم ومناقشتهم في كل ذلك.

لقد دخل الأنترنت إلى بلادنا قبل أزيد من عقدين، لكن يبدو كما لو أننا كنا بحاجة إلى فيروس كورونا لإعادة اكتشافه من جديد، والتأكد من أنه يصلح لأن نوظفه في التدريس والعمل والتسوق والفن، وحتى في التعبئة العامة لمواجهة هذه الجائحة المقيتة، والدليل على ذلك هذا السيل العارم من النقاشات العامة والخاصة على تطبيقات مثل Zoom وClassroom Google، وعلى تطبيقات أخرى مثل «الفايسبوك» و«الواتساب»، بين المغاربة بمختلف لغاتهم ولهجاتهم، وبشكل لم تحققه أي من «استراتيجيات المغرب الرقمي» التي كنا نسمع عنها من حين إلى آخر.

لأول مرة نلمس بوضوح شديد كيف يسهم الأنترنت بالفعل في تعميم المعرفة النافعة، بغض النظر عن الفروقات الاجتماعية والمجالية. ليس معنى ذلك أن الأنترنت كان محجوبا عن البعض ومتاحا لآخرين، إنما القصد هو هذه الحالة من التفاعل الجماعي في النقاش والجدل حول القضايا التي تشغل المواطنين، والتي قد لا تشكل أولوية بالنسبة إلى السلطات العمومية.

ولعل من النتائج المتوقعة لهذا الانفجار الرقمي الذي نعيشه يوميا في زمن كورونا، رفع مستوى النقاش العمومي بين المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو رهان قد يحدث تدريجيا لا دفعة واحدة، كما قد يتصور البعض، ويتطلب مزيدا من انخراط النخب المؤمنة بالتغيير نحو الأفضل، من مختلف المشارب والتخصصات، والتي يقع عليها واجب نشر المعرفة والفكر، وبث القيم التي تبني ولا تهدم.

وكأي سوق مفتوح للآراء والأخبار المتداولة بشكل حر، من شأن الآراء السديدة والبنّاءة أن تطرد الأفكار الرديئة، كما أن من شأن الأخبار الصحيحة أن تطرد الأخبار المزيفة، خصوصا إذا توقفت بعض الجهات عن صناعة «الذباب الإلكتروني» للتشويش وإيذاء المنافسين في السياسة والإعلام، وإذا توقف الجميع عن سياسة التلاعب بالعقول لحسابات سياسية قصيرة. إنه رهان ينبغي ألا يفرط فيه كل من يريد لهذا البلد وأهله أن يتقدموا نحو الأفضل والأحسن.

ويبدو لي أن الحكومة لن تكون حينها بحاجة إلى قانون لتكميم الأفواه، أو لجم حرية التعبير في الأنترنت بالقانون أو بغيره، بحجة محاربة الأخبار المزيفة، لأن ما يقع اليوم على الأنترنت من نقاش عمومي حر ومسؤول، من شأنه كذلك أن يُكسب المغاربة مناعة ضد كل ما هو رديء وسيئ، قد يكون طفا على واجهة الأحداث خلال الفترة ما قبل جائحة كورونا، سواء على الواقع الافتراضي أو حتى في الواقع المادي.

إن تشجيع هذا النقاش الحر والمسؤول على الأنترنت اليوم وفي المستقبل هو الطريق الأفضل لبناء وعي المواطن في زمن التدفق الحر للمعلومات والأفكار والمواقف من داخل المغرب وخارجه، بل قد يكون السلاح الأكثر نفعا للمغرب وهو يواجه جائحة كورونا، أو في مواجهة غيرها من الجوائح والتحديات المقبلة. فهذا النهج هو الكفيل بمحاصرة التفاهة التي اتخذها البعض، خلال مرحلة سابقة، سياسة في مواجهة الجدية والمعقول، ويريد أن يستعملها مرة أخرى مطية لتكميم الأفواه.

شارك برأيك