يونس مسكين.. السلاوي في الماريكان – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: سليمان كما عرفته..

  • يونس مسكين

    يونس مسكين.. السلاوي في الماريكان

  • image

    قصة الترحيل الـ«سري» لـ26 إسرائيليا.. إشراف من نتانياهو ورفض مغربي للتطبيع

الرأي

يونس مسكين.. السلاوي في الماريكان

منذ انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، لم يخلّف أي من قرارات دونالد ترامب وهو في البيت الأبيض أصداء مثل ما خلفه قرار تنصيبه الرسمي لرئيس اللجنة المكلفة بتحضير لقاح وباء كورونا عصر الجمعة الماضية. السبب في هذا التفاعل منقطع النظير، لا يعود إلى اهتمام المغاربة بوباء كورونا، وحاجتهم إلى حل يقضي عليه كباقي شعوب العالم، بل لأن الأمر كان فيه «خونا منصف» المختلف عن «صاحب الكراطة».

جلّ نقاشاتنا وضعت الموضوع في إطار تمثلنا التقليدي لابن جلدتنا الذي ضاقت به قيود تخلّفنا، السياسي والاقتصادي والثقافي هنا، واضطر إلى «قطع» البحار وتجرّع مرارة «الغربة» ليحقق في «بلادات الناس» ما لم نكن لنسمح له بتحقيقه بيننا، وهلمّ جلدا للذات واستحضارا للأفكار النمطية. يعكس هذا التفكير استمرار عجزنا عن فهم «الكوكب الأمريكي»، وتمثلنا للعالم من خلال رواسب علاقاتنا بمحيطنا الجغرافي القريب، خاصة منه المتوسطي والأوربي.

لم نستحضر في أي من نقاشاتنا السياق السياسي والاقتصادي الذي عيّن فيه السلاوي من لدن ترامب، ولا «الصفقة» التي جاءت به محمولا فوق بساط نسجت خيوطه من لعبة الرهان والمخاطرة وتحدي المستحيل، لتكون النتيجة منح رئيس متلهف للحفاظ على مقعده، فرصة حمل جرعة اللقاح السحري وتقديمها للمواطن الأمريكي قبل فتح مكاتب التصويت في الانتخابات الرئاسية لنونبر المقبل، مقابل فرصة العالم الفيروسي لدخول التاريخ من أكبر أبوابه.

لا أقصد هنا التشكيك في استحقاق منصف السلاوي هذه المهمة الكبرى، أو التقليل من عبقريته، أو التشكيك في نزاهته؛ فهو ينتمي إلى فصيلة خاصة واستثنائية من البشر، ممن حباهم الله بعبقرية خاصة وملكات استثنائية في التفكير وإنتاج المعرفة النافعة والعملية. وصادفت هذه الخصائص الاستثنائية بيئة علمية واقتصادية وسياسية أمريكية مكّنتها من الانبثاق. وعندما زارته كاميرا قناتنا الثانية قبل بضع سنوات، وجدته يقف مثل المايسترو لينسّق عمل أكثر من 400 باحث من جنسيات أوربية وآسيوية وإفريقية، داخل مركز علمي يحمل اسمه ويمتد فوق عشرات الهكتارات.

السر الذي باح به السلاوي وقتها ولم ينتبه إليه الكثيرون، هو أن مواطننا الذي استقرّ أول الأمر في بلجيكا وحصل على جنسيتها، لم يفجّر طاقاته العلمية إلا في بيئة تمنحه الملايير من الأموال والعشرات من السنين، لينفقها في مختبرات تفشل في 99 في المائة من مشاريعها، علما أن المشروع الواحد قد يستمر أكثر من عشر سنوات. وحتى عندما انتقل السلاوي إلى المغرب رفقة طاقم القناة، وجلس إلى مسؤولي وخبراء الجيل الجديد من الجامعات المغربية المراد لها أن تقود المغرب نحو علوم العصر الحديث، كشفت لقاءات السلاوي مع الجامعتين الخاصتين في كل من بنجرير والدار البيضاء، الهوة السحيقة التي تفصلنا عما فهمه والتقطه السلاوي في «الكوكب الأمريكي» من استثمار في العلم وإيمان بالإنسان.

الرجل، وهو القادم ممثلا لإحدى كبرى الشركات العالمية في البحث والتطوير في مجال الأدوية، وجد نفسه أمام خطاب البحث عن «المنحة» و«الهدية»، كما لو أن انتماءه إلى هذه الأرض يلزمه بدين ما عليه صرفه في شكل هبة علمية يقدمها لبلاده، وكم كشفت تلك اللقطات القصيرة في برنامج «زاوية كبيرة»، معاناة السلاوي في إقناع مستضيفيه بضرورة البحث عن «صفقة»، مكررا على أسماعهم عبارة: «ابحثوا عن طريقة استثمارية، اقترحوا صيغة رابح-رابح» (win-win).

كيفية تفاعلنا مع «معجزة» منصف السلاوي الأمريكية تعيدنا إلى تأمل ما خلّفه رجل عبقري آخر يحمل لقب «السلاوي»، وهو المغني الشهير الحسين بن بوشعيب. هذا الأخير الذي توفي شابا في بداية الخمسينيات، كان بدوره فلتة زمانه الفنية، حيث يعتبره بعض النقاد سيّد درويش المغرب الذي تغنى بمشاعر وهموم وأفراح وتمثلات المغاربة لحياتهم.

ومن أهم «الوثائق» الغنائية التي خلّفها الحسين السلاوي عن حياة المغاربة في أربعينيات القرن الماضي، أغنيته الشهيرة عن «الماريكان»، والتي يسخر فيها من مظاهر الثقافة الأمريكية التي حملها الجنود الأمريكيون إلى سواحل المغرب خلال قيامهم بالإنزال فيها عام 1942، وتقول لازمتها: «الزين والعين الزرقة جانا بكل خير»، معددا مظاهر ما يعتبره السلاوي إفسادا أمريكيا لأخلاق المغاربة، خاصة منهم المغربيات: «دخلت الماريكان الناس تقوات والنسا علينا جارو.. المجوجات دارو السباب على رجالهم غابو.. شحال من هي معشوقة دارو لها الشان..».

المثير في هذا التمثل المغربي القديم للتأثير الأمريكي في حياة المغاربة، أنه لم يرَ فيه سوى الانعكاسات الاجتماعية للثقافة الأمريكية، من تغيير للهرمية الاجتماعية القائمة، و«تثوير» للفئات الخاضعة، خاصة منها النساء… أي أن العين المغربية لم تر في الإنزال الأمريكي سوى «شوينغوم» و«الفنيد» و«السيكار»، ولم تلحظ الدبابات والرشاشات، وما يمكن أن يمثله الإنزال الأمريكي من فرصة للتحرر من المستعمر الفرنسي، أو خطر السقوط تحت استعمار جديد… هذا النظر القاصر نفسه، هو الذي استفاق فينا من جديد ونحن نشاهد تعيين الرئيس الأمريكي لابن جلدتنا في منصب يكاد يكون الأهم في العالم في الظرف الراهن، حيث نظرنا إلى الأمر بمنظار العاطفة والهوية والبحث عن التعويض النفسي، ولم يستيقظ فينا سؤال: لماذا في أمريكا تحديدا تقع مثل هذه المعجزات؟

في لقائه مع القناة الثانية قبل بضع سنوات، قال منصف السلاوي إن النظرة التي كانت لديه وهو شاب مراهق شديد المثالية حول الهوة الفاصلة بين المغرب وبين العالم المتقدم، تبدو له اليوم أصغر بكثير من الهوة التي باتت تفصلنا عن الركب العالمي. وهو ما يؤكده استمرار عجزنا عن تلمّس عناصر الوصفة الأمريكية القائمة على الحرية والثقة في الإنسان، ومبدأ الاستقلالية الكاملة في اختيار المصير الشخصي، والحق في الخصوصية والصراحة والمساواة والابتعاد عن الرسميات، بشكل سمح لمواطننا بالوقوف بارتياح لمخاطبة الرئيس ترامب، إلى جانب المنافسة الحرة واحترام أخلاقيات العمل والانتصار للكفاءة، وإدارة الصراع بشكل شفاف لا ينطوي على أي خجل من الدفاع عن المصالح…

لحسن حظ منصف السلاوي أنه لم يصل إلى أمريكا مثقلا بعقلية «رجال مشات حارگة عامت فبحور غارگة»، في انتظار العودة إلى «لْبلاد» لشراء بقعة أرض لبناء قبر الحياة؛ بل أسعفته عبقريته في تشرّب منطق الحلم الأمريكي، تاركا لنا عناء الجدل حول الأصول والفصول.

شارك برأيك

jalal saouti mtiaz

بكل احترام اخي و ابن بلدي السيد يونس اشاترك اللرأي واقول لك مادا ينقصنا ادا لمادا لا نحمي أبناء جلدتنا من الهجرة الى الغرب ؟ هل يجدون راحتهم لمادا لا يحضنهم وطنهم ؟ اللدي ازدادو ا فيه فمهما يكن الرجوع الى الاصل أصل . وحتى قبر الحياة الدي تحدثت عليه أصبح من المستحيلات في هدا الزمن فالى أين المفر
من امثال منصف السلاوي ابن مدينة اكادير هناك كثير من العلماء لدينا وسيأتي يوم تصبح الهجرة معكوسة تدكر يوما ما هدا سيحدث وسيأتي لدينا اوروبيون يبحثون عن العمل هنا كن متيقنا أخي التغيير قادم لا محالة انشاء الله .

إضافة رد
jalal saouti mtiaz

استسمح فعوض اشاطرك – كتبت خطأ

إضافة رد