بلال التليدي يكتب: ماذا وراء إنهاء تغوّل “اتصالات المغرب”؟ – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: ماذا وراء إنهاء تغوّل “اتصالات المغرب”؟

  • بلال التليدي يكتب: هل أضحت الدولة منزعجة من الثقافة الريعية للأبناك؟

  • بلال التليدي يكتب: خاطبوا تركيا مباشرة بعيدا عن توظيف دكاكين البقالة

من الصعب أن نفهم قرار الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، مؤخرا، بتغريم شركة اتصالات المغرب مبلغا ماليا ضخما بـ 3,3 مليار درهم، دون أن نطرح  بعض الأسئلة، فبلاغ الوكالة، وإن جرى تعليله بوجود ممارسات متراكمة منذ سنة 2013، وُصفت بأنها “استغلال تعسفي لوضع مهيمن” من طرف شركة اتصالات المغرب، تسبب في منع وتأخير ولوج الشركات المنافسة لتقسيم الحلقة المحلية وقطاع الهاتف الثابت، إلا أنه تضمن معطيات مثيرة للتساؤل، فثمة مسافة زمنية  طويلة بين تاريخ الإحالة وتاريخ إصدار القرار (سبع سنوات)، فلا يعلم أحد السبب الذي جعل دراسة الملف تتأخر أربع سنوات، ولا يتم بداية النظر فيه إلا مع ماي 2017؟.

الزمن مهم في اتخاذ القرار، والتعليل بالمقتضيات المسطرية لا يعفي من التقاط بعض الإشارات، فالمناخ الاستثماري، فضلا عن وضعية المستهلك، لا يتقبل هذا التراخي، فانتعاش الاستثمارات يتطلب التأمين الفوري لقواعد اللعبة التنافسية ومحاربة التركيزات التي تضر بالمستهلك والمقاولات المنافسة على السواء.

البعض سيسارع للاستنتاج بأن الأمر لا يتعلق، لا بحماية التنافسية، ولا باعتبار وضع الشركات المنافسة،ولا حتى وضع المستهلك، وإنما يتعلق باستبدال شركة بأخرى،  وربما، يحتج بوضعية قطاع المحروقات في المغرب، وعدم قيام مجلس المنافسة لحد الآن بأي إجراءات مماثلة. 

ومع ما لهذه الحجة من منطق، ووجود حجج أخرى، تبين  عدم استقرار معايير بعض مؤسسات الحكامة أو بعض المؤسسات المعنية بإقامة التوازنات الضرورية داخل البناء المؤسساتي للدولة، إلا أننا نميل إلى تحليل هذه المعطيات بالإحالة على مفهوم الزمن والتزامن.

لننتبه أن الزمن الذي صدر فيه قرار الوكالة هو الزمن عينه، الذي صدر فيه قرار إدانة المدير العام السابق لصندوق الإيداع والتدبير، وهو الزمن عينه الذي جرى فيه إلزام البنوك بتمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة بسعر فائدة هو الأقل انخفاضا (2 في المائة)، ثم لننتبه مرة أخرى، أن هذه القرارات جاءت عقب خطاب ملكي مبشر بتغييرات كبيرة متوقعة في المسؤوليات السياسية والإدارية.

الزمن والتزامن استشراف الثاوي خلف هذه القرارات من رؤى، فالإدارة لا تتغير بتغير الأشخاص، وإنما بتغير النخب، والاعتبارات الدستورية التي تميز بين الاستراتيجي وغير الاستراتيجي من المؤسسات، تعطي صورة عن مفهوم النخب، وأن المقصود بها ليس النخب السياسية، وإنما النخب الاقتصادية، التي يتطلب تغييرها تغييرا مواكبا داخل بنية الإدارة.

تأخر زمن البت في الإحالة ضد “اتصالات المغرب” لا يعني أكثر من وجود تردد في الحسم في زمن صياغة خارطة الفاعلين في قطاع الاتصالات، وإخضاع المؤسسات البنكية لقرار تمويل منخفض سعر الفائدة لصالح المقاولات الصغرى والمتوسطة، لا يمكن أن يُفهم منه فقط، مواجهة الكساد الذي أصاب السوق، ومحاولة تدبير الأزمة التي تسببت فيها هيمنة بعض النخب الاقتصادية على الفرص الاقتصادية.

لا أعتقد أن الأمر يسير في اتجاه إنهاء دور النخب الاقتصادية المهيمنة على الفرص الاقتصادية وبداية التأسيس لعهد اقتصادي جديد يضع الأسس المتينة لتفكيك تغوّلها الاقتصادي، فثمة ثلاثة أسباب تدفع لخلخلة خارطة الفاعلين في القطاع الاقتصادي. 

أولها، الحاجة إلى حدوث تغيير، وبناء شرعية نخب اقتصادية جديدة، تمحو الصورة الكئيبة التي انطبعت بها ممارسات النخب الاقتصادية المهيمنة.

وثانيها، حاجة الدولة إلى عناوين مختلفة لبناء الثقة في السياسة، فقد استقر في تمثلات المجتمع أن السياسة لا تقوم بأكثر من تعميق التحكم الاقتصادي لهذه النخب الاقتصادية المهيمنة.

أما السبب الثالث، فيتعلق بمحاولة امتصاص الأزمة الاقتصادية العميقة، وما يمكن أن تخلفه من احتقان شعبي كامن.

في العديد من التجارب الدولية، التي جرى فيها إعادة صياغة خارطة الفاعلين الاقتصاديين، يصعب استبدال نخبة اقتصادية عليا بنخب اقتصادية عليا أخرى بديلة، من غير تحالفات ضرورية تنسج مع المقاولات الصغرى والمتوسطة، كما لا يمكن أن يحصل هذا الانتقال السلس بدون تغيير في بنية الإدارة، ولذلك تقديري، من المتوقع أن تتوالى قرارات أخرى تمس قطاعات جوهرية، ومن غير المستبعد أن يكون منها قطاع المحروقات، الذي عرف دخول شركات أخرى جديدة، ربما، لتقوم بالدور عينه، الذي ستقوم به المقولات الصغرى والمتوسطة الجديدة، لإنهاء النخبة المهيمنة على القطاع والتمكين لنخبة عليا أخرى.

لا ننسى، أخيرا، أن تعديل خارطة النخب الاقتصادية في كثير من التجارب، غالبا ما يجري قُبيل الانتخابات أو بعدها، إما استعدادا لوضع سياسي جديد، أو تتويجا للوضع السياسي المفرز ودعما له، والتقدير أن وراء تغيير النخب في لحظة زمنية سابقة للانتخابات، تفكير في خيار سياسي جديد. 

شارك برأيك