بلال التليدي يكتب: كلمة بنكيران وبلاغات الأحزاب الثلاثة

بلال التليدي بلال التليدي

الرأي

كان شيئا ملفتا أن تتضمن بلاغات ثلاثة أحزاب العبارات نفسها، بخصوص التعبيرات الغنائية ذات البعد السياسي. دعوة إلى فهم عميق للظاهرة، واستشعار بواجب المسؤولية في إنقاذ الشباب من العدمية.

من خلف البلاغات، يتم استشعار انزعاج السلطات من الظاهرة، وربما رمي الكرة صوب ملعب الأحزاب، كما ولو كانت هي المسؤولة عنها أو عن توفير شروط إنتاجها بانسحابها من التأطير.

ولذلك، كانت عبارة بلاغ العدالة والتنمية أقرب إلى إعادة الكرة، وذلك بالدعوة إلى رد الاعتبار للأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمؤسسات التمثيلية. هذا الربط بين القضيتين، قد يفهم منه أن الظاهرة ما هي في الجوهر سوى كلفة إضعاف الأحزاب في النسق السياسي.

بلاغا التقدم والاشتراكية والاستقلال، يتحدثان عن «الانتشال» و»الاحتواء»، أي عن مسؤولية الأحزاب في مواجهة الفراغ الذي يدفع بالشباب إلى هذه الحالة السلبية العدمية.

لكن إلى جانب هذه البلاغات، كان هناك في المقابل كلمة للأستاذ عبدالإله بنكيران موجهة لشباب (جمعية أطلس التنمية) زاروه في البيت، تضمنت شكلا آخر من التعاطي، مختلفا تماما عن الشكل الذي تعاطت به الأحزاب، اقتحمت كليا المعضلات التي يعاني منها الشباب وتدفعهم إلى هذا اللون من التعابير.

أول رسائل بنكيران هي شكل تعاطي الشباب مع الواقع، ومع السياسات، وقد ميز في هذه الحيثية بين الشكل المتماهي مع الوضع الباحث عن المنافع، والشكل العدمي الغاضب، الذي ينتصر لمنطق المظلومية ولا يقدر العواقب، مقترحا في هذا الصدد إنتاج شكل راق من التعاطي، يجمع بين القوة في النقد والاعتدال في الموقف، مذكرا بحراك 20 فبراير والمآلات التي كان سيفضي إليها لو انتصرت العدمية على الاعتدال.

الرسالة الثانية، تتعلق بشكل تمثل الشباب لقضية الاندماج المهني والارتقاء الاجتماعي والسياسي، وقد حاول بنكيران، أن يبسط فيها وجهة نظره المعروفة، التي تنتصر للجدية والفاعلية والاجتهاد، معتبرا أن هذه هي المقومات التي تضمن هذا الأفق، ضاربا أمثلة ببعض النماذج في هذا السياق.

الرسالة الثالثة، سياسية محضة، موجهة لغير الشباب، تدعو إلى التقاط الإشارة السلبية من قرار الإطاحة بشباب أكفاء كانوا في المربع الحكومي، واستبدالهم بالأقل كفاءة، ممن أصبحوا مادة للسخرية في المجتمع، فمثل هذه الإشارات السلبية، التي تتحملها الجهات التي أدارت عملية التفاوض من أجل تشكيل الحكومة بخلفية ضم الكفاءات، ترسخ لدى الشباب التمثلات الحقيقية عن وزنهم واعتبارهم لدى صناع القرار، ودرجة القبول بإدماجهم وارتقائهم السياسي.

الرسالة الرابعة، وتتعلق بالرصيد الأخلاقي والتربوي الذي يؤهل الشباب للقيام بأدواره في خدمة الوطن والانشغال بهموم الوطن وقضاياه، وهو رأسمال الاستقامة في أداء الواجبات، من مختلف المواقع، وهو الجانب الذي يعكس المعادلة، فبدل التماهي مع لغة الحقوق، ينعطف بنكيران دائما للحديث عن لغة الواجبات، باعتبار الحقوق ليست في المحصلة سوى الوجه الآخر للقيام بالواجبات.

في الجملة رسائل بنكيران ثلاث، دعوة الشباب إلى الاحتفاظ بعنفوانه وقوته في قول الحقيقة مع نهج الاعتدال وتقدير العواقب، وبث الأمل في نفوس الشباب بخصوص العوامل الموضوعية للاندماج المهني والارتقاء الاجتماعي والسياسي وكونها مرتبطة بالجدية والفاعلية والاجتهاد، وتأكيد على الرصيد الأخلاقي والتربوي الذي يحصن الشباب من السقوط في فخ العدمية، ويستحث قواه الإيجابية للقيام بالواجب.

أما الرسالة الرابعة، فموجهة لغير الشباب، ومضمونها أن صناع القرار يجب أن ينتبهوا عندما يكونون بصدد ترتيب مواقع المسؤولية، من بعث أي إشارة سلبية تجاه الشباب،  تزيد الوضع احتقانا وتضخم معاملات العدمية واليأس والانهزام في نفوسهم، فالشباب يقرأ جيدا الإشارات، وبدلا من دعوة الأحزاب إلى فهم الظاهرة وحثها للقيام بدورها في احتوائها، الأنسب عدم ارتكاب أخطاء تبعث برسائل تغذي نوازع العدمية في نفوس الشباب.

ما يلاحظ في كلمة بنكيران أنها حوار حيوي مباشر، يدخل إلى صلب المشكلات بجرأة، وبدون مغازلة ولا مسايرة لتطلعات الشباب، وينتصر للاعتدال والإدماج والارتقاء السياسي والاجتماعي للشباب، وينتج خطابا قابلا لأن يتداول للنقاش ويصير قناعة شبابية، شرط توفر الجدية والمصداقية في السياسة.

لا أريد أن أنتهي للقول بأن كلمة بنكيران العفوية هزمت بلاغات الأحزاب الثلاثة، لكن سنكون بعيدين عن الصواب إن قلنا إن هذه البلاغات كان لها صدى ما لدى الشباب، بل سنكون أقرب إلى الوهم إن ظننا أن عبارات مثل «الانتشال» و»الاحتواء»، يمكن أن تكون بديلا عن الحوار المباشر المشتبك مع المعضلات الحقيقية للشباب.