مصطفى بوكرن يكتب: رسالة إلى وزير الداخلية

مصطفى بوكرن مصطفى بوكرن

الرأي

قرأتُ خبر منع وزارتكم الموقرة، رفع إلتراس الرجاء «التيفو» في مباراة 30 نونبر بين الرجاء والترجي التونسي، والتي انتهت لصالح هذا الأخير.

بصراحة، دعني أعبر لكم، عن مفاجأتي من هذا القرار الخاطئ. لا يعني تخطيئي لقرار وزارتكم، التطاول على صلاحياتها في المحافظة على الأمن والاستقرار، بالضرب من حديد على كل من سولت له نفسه زرع الفتنة في بلادنا الحبيبة. أساند وزارتكم طولا وعرضا، لتظل عينها متيقظة، تراقب الحملات المسيسة، التي تريد زعزعة ثقة المواطن في مؤسساته.

سيدي الوزير، إنني تأكدت بالدليل القاطع، أن إلتراس الرجاء، لا علاقة له بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد. بمعنى، لا هم له في الوصول إلى الحكومة عبر الانتخابات، ولا هم له فيالوصول إلى الحكم عبر إسقاط النظام. هذا جمهور همه تشجيع فريقه بإبداع منقطع النظير، للفوز بالكؤوس الوطنية والقارية، ليسعد الملايين من عشاقه داخل المغرب وخارجه.

هاك الدليل القاطع على أن جمهور الرجاء لا علاقة له بالسياسة، ولا حتى بالكتب التي تُروج الأفكار السياسية. في عدد يوم الخميس الماضي، من هذه المطبوعة، نشرتُ مقالي في هذه الزاوية، بعنوان: «أنا الحاوي». إياك أن تتسرع سيدي الوزير في فهم العبارة «بمعهود الدارجة المغربية». انتظر لحظة، سأشرح لك فلسفة هذا المقال، الذي يهدف إلى الكشف عن مدى تسيُّس جمهور الرجاء وعلاقته بالأدب المسيّس.

شاهدتُ مباراة الديربي التاريخي، وتأثرت كثيرا، ففكرتُ في كتابة مقالة غير عادية، أحب أن أبدع في استعمال أشكال متعددة في الكتابة. تخيل سي الوافي، ألهمني تيفو الرجاء، أن استثمر التقنية نفسها في كتابة المقال. وما هي هذه التقنية؟ أن أجمع بين شيئين مختلفين، أحدهما معروف والثاني مجهول. هذا الأخير، سيدفع المتابع للبحث عن تفاصيله. إلتراس الرجاء، جمع بين مباراة كرة قدم معروفة لكل الناس، وبين «التيفو»، الذي كُتِب عليه اسم مجهول: «room101».

انتهت المباراة، وانطلق فضول البحث عن الاسم المجهول. تساءل الكثيرون عن معنى الاسم، فبحثوا عنه، وكشفوا في الأخير، أنه اسم غرفة تعذيب في رواية جورج أورويل 1984.

وزيرنا المحترم، هذه هي التقنية، التي كَتبْتُ بها مقالة: «أنا الحاوي». كتبتُ عن شيء معروف، عند الناس «المباراة الساخنة» بين الرجاء والوداد، وحبكت حوارا بيني وبين صديق لي، ثم دسست في الحوار اسما مجهولا، وهو عنوان قصيدة: «أنا الحاوي» لمحمد الماغوط، من كتابه: «سأخون وطني». فعلتُ ذلك، لأعرف، هل جمهور الرجاء، له قدرة في البحث، ويمتلك شغف القراءة، ومهووس بفك الرموز أم أنه جمهور يفهم في المستديرة فقط؟.

كانت الصدمة مؤلمة للثقافة، سيدي الوزير، لكنها صدمة مفرحة لي، ولدولتي، ولوطني. تخيل سيدي الوزير، من حسن الصدف، أن هذا المقال، نشرتْه صفحة dimadimaraja، طبعا، دون أن تذكر اسمي. جلستُ أقرأ التعليقات، واستلقيت على ظهري، أقهقه دون توقف على الذين يقولون: إن جمهور الرجاء، جمهور يحمل قضايا سياسية وثقافية ومجتمعية كبرى.

وهؤلاء للأسف الشديد، سيدي الوزير، ينتمون إلى الأحزاب السياسية الفاشلة، أو إلى الحركات الاجتماعية النائمة، ويمنُّون النفس، أن يظهر جمهور يرفع شعارات سياسية قوية، ليمارسوا هواية الركمجة على مثل هذه الشعارات، ويبعثوا برسائل لا علاقة لها بجمهور الرجاء، العاشق للكرة فقط.

إن المقال الذي طالعه الآلاف من جمهور الرجاء. غالبيتهم علقوا عليه، بلغة تنتمي إلى لغة الصراع الكروي. أول ما لفت انتباه القراء لفظة: «الحاوي»، فتسرعوا في الفهم، وظنوا أنمعناها، هو المعنى الدارج، واستعملوها في صراعهم ضد خصومهم الكرويين، فتوعدوهم «بالمضاجعة الكروية». وهنا، فرحتُ فرحا شديدا، وتساءلتُ: هل هؤلاء يمتلكون إيديولوجياسياسية؟ فأجبت بابتسامة: لا، وألف لا. فحمدتُ الله تعالى، وطمأنتُ نفسي، بأن الجمهور يقدس الكرة فقط.

لم أقف على تعليق واحد، استطاع، أن يبين معنى كلمة: «الحاوي». الحاوي في اللغة، هو: الساحر. لا أحد، كلف نفسه عناء البحث عن قصيدة الماغوط: «أنا الحاوي» وقام بنشرها، ليتضح المعنى. وهذه القصيدة، فعلا لها دلالة سياسية، ومن أهم ما جاء فيها: «ولم أستطع تدريب إنسان عربي واحد على صعود الباص من الخلف والنزول من الأمام،فكيف بتدريبه على الثورة». لا أحد من هذا الجمهور تعمق في فهم المقال. بالله عليكم، هل تعتقدون أن جمهور الرجاء تعمق في فهم room101، وذهب لقراءة رواية 1984؟!

أشكرك على مجهوداتك الجبارة، لكن قرار منع التيفو قرار خاطئ. ظننتم أنكم أمام تيار سياسي، والحقيقة، أن هؤلاء الشباب لا يهمهم إلا «المضاجعة الكروية» لخصومهم. أرجوك، لاتهول من القراءة السياسية لتيفوات الإلتراس.