إسماعيل الحمودي يكتب: انكماش الثورة المضادة – اليوم 24
اسماعيل حمودي
  • اسماعيل حمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: ضعف الثقة من ضعف المعرفة

  • اسماعيل حمودي

    إسماعيل حمودي: سياسة تدبير البرد

  • احتجاجات الثلوج- أرشيف

    تختلف من إقليم لآخر.. الداخلية تقود سياسة عمومية ضد البرد في 28 إقليما

الرأي

إسماعيل الحمودي يكتب: انكماش الثورة المضادة

لعل أبرز تحول يمكن رصده بين يدي الموجة الجديدة من الاحتجاجات التي اجتاحت المنطقة العربية خلال سنة 2019، خصوصا في السودان والجزائر والعراق ولبنان، هو تراجع نفوذ وتأثير الثورة المضادة التي تزعمتها الإمارات والسعودية منذ 2013 على الأقل، ويبدو أنها دخلت مرحلة انكماش، في ظل توقعات جديدة بأن تشهد 2020 موجة أقوى وأعمق من السخط الشعبي.

المؤشرات على انكماش الثورة المضادة عديدة، منها احتجاجات 2019، التي لم تكتف بالإطاحة بحكام متسلطين كما حدث في السودان والجزائر، بل باتت تستهدف هياكل «الدولة العميقة»، ثم إجراء انتخابات رئاسية في تونس عزّزت النهج الديمقراطي وموقع قوى التغيير، واندلاع احتجاجات عابرة للطائفية في العراق ولبنان قد يكون لها ما بعدها، فضلا عن الإنهاك والتراجع الذي أظهرته القوى المساندة للثورة المضادة في ليبيا واليمن، وفي مصر أيضا.

ويمكن القول إن مرحلة التراجع والانكماش في أداء قوى الثورة المضادة حصلت مباشرة بعد مقتل الصحافي، جمال خاشقجي، تلك الحادثة البشعة التي أيقظت الضمير العالمي إزاء الهمجية، واستغلها المحور المؤيد للثورات (تركيا، قطر…) لتقديم ولي العهد السعودي إلى العالم في صورة “القاتل”، وقد آتى ذلك أكله بشكل غير متوقع، إذ سرعان ما دخلت الحرب السعودية على اليمن في مرحلة من الغموض وربما التيه، ثم ظهر أن التحالف الإماراتي السعودي ليس بالتماسك الذي توقعه البعض، إذ برزت خلافات في التعاطي مع عدد من الملفات الحيوية للبلدين معا، كاليمن وإيران.

والملاحظ كذلك أن تراجع وانكماش أداء زعيمتي الثورة المضادة؛ ممثلتين في الإمارات والسعودية، زامن انشغال حلفيهما في «إسرائيل» وأمريكا بمشاكلهما الداخلية، فالأولى دخلت مرحلة أزمة سياسية انتخابية طيلة 2019 ولم تخرج منها بعد، وسط اتهامات بالفساد لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أعجزته إلى حد الآن عن تشكيل حكومة، أما الثانية، فتعيش على وقع محاكمة للرئيس دونالد ترامب، تهدده بالعزل من منصبه، ما جعله منشغلا بنفسه، عوض الاستمرار في توفير الحماية للحكام في الإمارات والسعودية إزاء إيران وميليشياتها في المنطقة، أو توفير الدعم للديكتاتورية في مصر بقيادة الجنرال السيسي.

نحن إزاء انعطافة جديدة، إذن، سمتها الرئيسة تراجع قوى الثورة المضادة، وانطلاق موجة جديدة من الاحتجاجات في الدول التي أفلتت منها سنة 2011، أي السودان والجزائر والعراق ولبنان. وإذا كانت الموجة الأولى اندلعت لأسباب تتعلق بالكرامة، فإن الموجة الجديدة اندلعت لأسباب تتعلق بالكرامة (الجزائر…) ولأسباب تتعلق بالفساد السياسي وانتشار الفقر وتفشي البطالة.

وقد أظهرت الموجة الجديدة أربع سمات لافتة مقارنة بالموجة الأولى؛ أولا، القدرة على التعلم من تجارب سنة 2011، إذ لم تعد تطالب بإسقاط رأس النظام فقط، بل باتت تستهدف البنية الاستبدادية ككل.

ثانيا، قدرة نوعية على تجاوز الانقسامات الموضوعية (الإيديولوجية، الطائفية…). ثالثا، إدارة سلمية للمعركة مع الماسكين بالسلطة، مع الرهان على الزمن بغرض تقليص كلفة التغيير. ورابعا، تجاوز قوى المعارضة والهيئات الوسيطة بين السلطة والشعب، حيث لم تعد تثق في قدرتها على تحقيق الأهداف، وهذا واضح من خلال شعارات مثل: «يتنحاو كاع» في الجزائر، و«كلن يعني كلن» في لبنان.

الأسوأ بالنسبة إلى باقي الأنظمة التي قامت بإصلاحات شكلية عقب سنة 2011، هو أن موجة 2019 لا يبدو أنها ستنتهي خلال شهر أو شهرين، بل إن توقعات بعض مراكز الأبحاث في الغرب تقول إن الموجة الحقيقية هي تلك المقبلة في 2020، والتي يرجح أن تكون أقوى وأعمق مقارنة بما شهدته المنطقة سنة 2011، وقد تزلزل أنظمة كان يُخيل إليها، حتى الأمس القريب، أنها قوية وراسخة، لكنها بدأت منذ فترة ترقص من الخوف، وتكشف أنها مهمومة بمستقبلها بعدما فرّطت في الفرص التي أتيحت لها بعد سنة 2011.

شارك برأيك