أفكار الضرورة أم أفكار النفق المسدود؟ – اليوم 24
بلال التليدي
  • حد أدنى من التمثيلية السياسية

  • في عبقرية التفاوض

  • جنازة تحالف

منوعات

أفكار الضرورة أم أفكار النفق المسدود؟

 

بُعيد الجواب السياسي الذي قدمه الملك استجابة لحراك الشعب، انطلق نقاش قوي حول الشروط القانونية التي يمكن أن تفضي إلى إجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة. وكان المطلب وقتها، إعادة النظر في الإدارة الترابية التي تكونت زمن هيمنة حزب السلطة، وإلغاء اللوائح الانتخابية، واعتماد البطاقة الوطنية للتسجيل التلقائي والإجباري في اللوائح الجديدة.

لنتذكر أن الإدارة الترابية رفضت المطلبين، ونتج عن ذلك أن صوّت العدالة والتنمية برفض المشروع المتعلق باللوائح الانتخابية…

لم يكن للإدارة الترابية الوضوح الكافي لتبرر علنا منطقها، لكنها لم تبق الموضوع غامضا في حواراتها غير المعلنة. لقد كانت هناك خشية من توسع حجم المسجلين، وتراجع نسبة المشاركة، وهو التحدي الذي يضع الجواب السياسي على المحك. وتلك مغامرة غير محسوبة العواقب، لاسيما وأن الأحزاب – باستثناء بعض القوى الإصلاحية- لم يكن لها القدرة على التعبئة وطمأنة الدولة.

لنتذكر جيدا هذه الواقعة التي تبين وعي الدولة بحدود التجربة الديمقراطية الناشئة، والمخاطر التي كانت تقدر أن تواجهها في حال توسيع آلياتها من غير توفر ضمانات الثقة المجتمعية في المسار.

اليوم، نوجد في مسار مختلف، أو ربما معكوس. بالأمس كان هناك جواب سياسي، وشعاع ضوء مثل بارقة أمل، يمكن الاستمساك بها لبناء الثقة، والمراهنة على رفع نسبة المشاركة، وكانت المخاوف أن تكون المشاركة ضعيفة بالقياس إلى فتح المجال الواسع للتسجيل التلقائي في اللوائح الانتخابية اعتمادا على البطاقة الوطنية. لكن اليوم، الأمر مختلف، الجواب السياسي، بل حتى الرهانات التنموية، استنفذت أغراضها بإقرار الدولة نفسها، والمسار الديمقراطي والحقوقي يعرف ترددا خطيرا، والنخب السياسية، بما في ذلك الإصلاحية، دخلت في موجة كثيفة من المحافظة، وبدأت تنزاح عن خطها الإصلاحي، وفقدت القدرة على المبادرة خارج مسايرة واقع الأمر.

أية أفكار لمواجهة هذا الواقع الجديد؟

البعض ممن لا تهمه تفاصيل العملية الانتخابية، وتهمه فقط النتيجة، وانعكاساتها الدستورية والسياسية، بدأ يطرح فكرة تعديل الفصل 47 من الدستور. والآخرون الذين يهمهم، إلى جانب مخرجات العلمية الانتخابية، الرسائل التي تتضمنها المشاركة وطبيعتها وحجمها، بدؤوا يخرجون فكرة التصويت الإجباري. فكرتان مختلفتان: الأولى، تحاول وضع قواعد دستورية لإعادة رسم موازين القوى، والثانية، تهتم بمنع ترتب مؤشرات سياسية، تشكك في جدية المسار الديمقراطي.

تركيب الفكرتين، أن المطلوب وضع تأطير دستوري يمنع القوى الإصلاحية حالا ومستقبلا من مأسسة ترجمة الإرادة الشعبية في شكل واقع سياسي، مع منع أي مؤشر يمكن أن يظهر ضعف الثقة في العملية السياسية.

والحقيقة، أن الدولة لحظة جوابها عن الحراك الديمقراطي، كان لها منطق قد نحترم بعض حيثياته، إذا استبعدنا سوء النية، واعتبرنا أن القصد هو تحصين التجربة الناشئة، والتدرج في بناء الثقة المصاحبة للعملية السياسية. لكن مشكلة الفكرتين اللتين تسربتا مؤخرا للتداول العمومي، أنهما يدخلان البلد نحو نفق مسدود، إذ الفرق كبير بين توسيع دائرة القيد وترك الحرية للتصويت، وبين تضييق دائرة القيد مع الإكراه على التصويت.

مآل فكرة تعديل الفصل47  من الدستور، أن نقنع شرائح جديدة بلا جدوى المشاركة السياسية، إذ ماذا سيتبقى في العملية الانتخابية، إن كانت نتائج الانتخابات غير محددة للخارطة السياسية، وأي ثقة ستبقى في ديمقراطية تقبل أن تستبدل الإرادة الشعبية بتكتيكات النخب المتحكم فيها.

أما مآل الفكرة الثانية، فأن يتأسس حراك احتجاجي جديد وخطير، يتم التعبير عنه بالأوراق الملغاة، أو تضطر الدولة للدخول في مواجهة قانونية ومخاصمة قضائية مع الرافضين للتصويت، الذين اعترف الملك في خطاب رسمي بحقهم في التعبير السياسي. في علم السياسية، نجاح المسار الديمقراطي، يرتهن بقاعدة توسع المشاركة، ومؤشرات فشله تظهر في انحسارها، وأكبر سبب لضعف الثقة في العملية السياسية، أن تترتب خارطة سياسية بعيدا عن الإرادة المعبر عنها في الانتخابات.

الثقة في العلمية السياسية ليست عملية بيع وشراء، أو لعبة تكتيكات قانونية، ونسبة المشاركة،لا يمكن أن يبددها مسار الانزياح الديمقراطي والحقوقي ليبنيها منطق الإكراه والإجبار.

الثقة في العملية الانتخابية، والرفع من نسبة المشاركة، هي عملية بيداغوجية ممتدة في الزمن، تعتمد مدى اقتناع المواطن بحصول تقدم في السياسة، بل تعتمد بالأساس شعوره بأثر السياسة الإيجابي على حياته.

عندما ندخل للنفق، أو نواجه نتائج الاختيار الخطأ، الأفضل للنخب والذين يحبون الوطن والملك، قول الحقيقة، وعدم «الاجتهاد» في إدخال البلاد لأنفاق مظلمة جديدة. يكفي النفق المسدود الذي أدخلنا إليه الانزياح عن المسار الديمقراطي. لا نريد أكثر.

شارك برأيك