الإدريسي: لم تطلب مني وزارة الخارجية تقييم تجربة العشر سنوات التي قضيتها في الجزائر وتونس – اليوم 24
علي الادريسي
  • هاجر الريسوني

    ضحايا التشهير- هاجر الريسوني.. استغلال الحياة الخصوصية

  • هاجر الريسوني

    مصباح: جوهر قضية هاجر سياسي يرتبط بالحريات واحترام الدستور

  • محمد الزهاري، الرئيس السابق للعصبة المغربية لحقوق الإنسان

    «ضحايا» التشهير- الزهاري.. استعملوا ابني للضغط علي

حوار

الإدريسي: لم تطلب مني وزارة الخارجية تقييم تجربة العشر سنوات التي قضيتها في الجزائر وتونس

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.
– متى انتهت مأموريتك في تونس، وكيف كانت مشاعرك وأنت تعود إلى أرض الوطن؟
انتهت مأموريتي في صيف 2000 بعد أن قضيت 10 سنوات في مهمتي مستشارا ثقافيا في كل من الجزائر وتونس، وممثلا للمغرب في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وأعتقد بأنني قمت بواجبي قدر المستطاع، وكنت سعيدا بالعودة إلى الوطن. خاصة أن المغرب كان يستقبل عهدا جديدا هو عهد الملك محمد السادس ببشارات تحمل كثيرا من الأمل بالتغيير. وجاءت لغة خطاب العرش الأول مختلفة في دلالاتها وإشاراتها عما اعتاد عليه المغاربة في خطابات الحسن الثاني. لقد عبر خطاب العرش الجديد عن رؤية ما يجب أن يكون عليه المغرب في المديين القريب والمتوسط على الأقل. ومن جهة أخرى ترك خطاب “المفهوم الجديد للسلطة” في 12 أكتوبر 1999 أصداء كبيرة عند عموم المغاربة، وعند ساكنة المناطق التي أهملت وهمشت في عهد السلطة السابقة. ومن ثمة كنت أرى كثيرا من الآمال والطموحات المشروعة في ملامح الناس وفي تعابيرهم. وكان ذلك بالنسبة إلي خطوة إلى الأمام في الاتجاه الذي كانت تمثله حكومة التوافق الوطني برئاسة السيد عبد الرحمان اليوسفي، أحد كبار المعارضين. وكنت أضيف إلى صورة المغرب الإيجابية عند الدبلوماسيين وغير الدبلوماسيين في تونس التي رسمها التوافق صورة المفهوم الجديد للسلطة. خاصة بعد تخليص المغاربة من الدور المرعب الذي قام به وزير الداخلية في العهد السابق. لذلك كنت سعيدا بأن أعيش مرحلة تبشر بالكثير من الصلاح والتطور والخير لكل المغرب والمغاربة.
 – لكن، لماذا اخترت العودة إلى التعليم، بدل الاستمرار في الخارجية للاستفادة من تجربتك الدبلوماسية؟
أنا لم أختر العودة إلى التعليم العالي، بل أني وجدت وزارة الخارجية قد قررت، دون استشارتي، ودون الأخذ بتوصيات السفير المكتوبة، إعادتي إلى منصبي الأصلي. أما الأسباب فيعرفها الذين بيدهم القرار والبت. غير أن المتتبعين لمذكرات “الزمن الذي…” يتذكرون أن التحاقي مستشارا ثقافيا بسفارتنا بالجزائر لم يتم عن مبادرة صادرة من وزارة الخارجية، بل من السفير عبد القادر بنسليمان الذي أذن له وزير الخارجية يبحث عن بروفيل المستشار الثقافي الذي يريده في الجامعات. وقد يكون قرار إعادتي لمنصبي الأول له علاقة بكون وزارة الخارجية قلما تقبل أطرا من خارج هيكلها، خاصة من الجامعة. وكان السفير عبد القادر بنسليمان قد أشار إلى ذلك يوم تقديمي لطاقم السفارة بالجزائر. وقد تكون هناك احتمالات أخرى لقرار الوزارة. أما أنا فأعلم أنه في الوقت الذي كان فيه البعض يلصق بي تهمة العمالة للمخزن، كانت جهة أخرى، حسب ما بلغني، تكتب تقارير تتهمني فيها بأنني عميل للمخابرات الجزائرية. ومهما يكن من أمر، فإن عدم استمراري في الخارجية كان خيرا لي، كما سأبين ذلك لاحقا في الجزء ما قبل الأخير من هذه المذكرات، إن شاء الله.
– العمل الدبلوماسي الناجح، من جملة ما يبنى عليه، مستخلصات تجارب العاملين في الميدان وتراكمها، فهل طلبت منك الوزارة تقييم تجربتك في البلدين الجارين؟
ما يشير إليه القسم الأول من سؤالك صحيح، وتعمل به عدة دول، حسب ما عرفته من زملائي من دول أخرى. أما عندنا فلا علم لي بذلك؛ شخصيا لم تطلب مني وزارة الشؤون الخارجية تقييم تجربة العشر سنوات التي قضيتها في سفارتي المغرب بالجزائر وتونس. وعدم سؤالي عن تجربتي ورأيي فيها ولّد عندي كثيرا من التساؤلات حول مكانة العمل الديبلوماسي في خريطة السياسة الخارجية للمغرب. وتمنيت ألاّ يكون الأمر يشمل جميع الدبلوماسيين العائدين إلى المصالح المركزية بالوزارة، أو البالغين سن التقاعد الوظيفي. والأمر الأكثر الذي استعصى عني فهمه وتفسيره، هو أن لا جهة، مهما كانت، طلبت مني عرضا أو تقييما لتجربتي الدبلوماسية في البلدين، ومعرفة رأيي، المتواضع، عن طبيعة أو مستوى العلاقات بين بلدنا والبلدين اللذين مارست فيهما مهمة مستشار ثقافي، بل حتى الكلية التي التحقت بها، والشعبة التي أصبحت أُدرّس فيها، أعفتني من السؤال عن الوضع الفكري في البلدين اللذين مارست فيهما الاستشارة الثقافية، وعن صورة الفكر المغربي وتياراته لدي الجزائريين والتونسيين. فهل يعني هذا أن الجميع كانت له دراية كافية بما يجري أو يحدث في البلدين، ويستغني بالتالي عن رأي الآخرين، مهما تكن خبرتهم أو رؤيتهم؟ أتمنى ذلك.
–   بالنسبة للخارجية، هل تظن أن السبب يعود إلى أن الدبلوماسية لها ركائز وتقنيات خاصة بها تدرّس في المعاهد المختصة، وعليها يقوم تسيير العلاقات بين الدول وليس على تقييمات الدبلوماسيين؟ 
هذا رأي ربما له وجاهته من حيث التكوين الإداري، لكن ليس من حيث الاستخلاصات القائمة على تراكم التجارب، أو على الخبرات التي تكونها الممارسة على الأرض، كشأن جميع المجالات الأخرى في كل العالم. حيث تتجاوز الخبرة منطوق الشهادة العلمية المحصل عليها بدرجات كثيرة.
ومما أتذكره في شأن الخبرة، عرفت من خلال مذاكراتي مع بعض الدبلوماسيين، من جنسيات وقارات مختلفة، أن ترقيتهم لا تتم أثناء وجودهم في مأمورية دبلوماسية لبلدانهم في الخارج، إلا حين يلتحقون بالإدارة المركزية، بعد ثلاث أو أربع سنوات، المعمول بها في الأعراف أو التقاليد الدبلوماسية عالميا. وآنذاك تقدم لهم مجموعة من الأسئلة، تكون الأجوبة عليها كتابة، وهي بمثابة تقييم لدورهم وتجربتهم الدبلوماسية في الدولة التي قضوا فيها مأموريتهم السابقة. وعليه تتم ترقيتهم إداريا ودبلوماسيا أو لا تتم.
ويمكن تلخيص تلك الأسئلة فيما يلي:
السؤال الأول، ما هي الصعوبات التي قابلتك في ممارسة مأموريتك في الدولة التي اشتغلت فيها مساعدا للسفير أو القنصل، وهل عاقتك تلك الصعوبات على القيام بعملك، وهل تغلبت عليها، ومن ساعدك، وكيف؟
ثانيا، كيف كان تعاملك مع الطاقم الدبلوماسي داخل السفارة أو القنصلية، وكيف كان تكيفك مع مواطني الدولة التي كنت فيها، وكيف كانت علاقتك مع أعضاء الهيئات الدبلوماسية الأخرى، أذكر أمثلة عن طبيعة الموضوعات التي كنت تتذاكر فيها معهم، وكيف كنت تتعامل مع من ينتقد سياسة بلدك أو رموزها؟
ثالثا، هل أنت راض على عملك إلى جانب الدبلوماسيين الآخرين في سفارة أو قنصلية بلدك في تلك الدولة التي كنت فيها، أذكر في جوابك أهم التفاصيل، لكن بطريقة تركيبية، وهل تشعر بأنك اكتسبت معرفة مفيدة في تطور شخصك أم لا، كيف ذلك؟
رابعا، كيف تقيّم علاقة بلدك بالدولة التي قضيت فيها مأموريتك السابقة، وماذا تقترح لتطويرها مع الحفاظ على مصالح وطنك؟
أنتهى هذا الجزء من مذكرات “الزمن الذي…” وإلى اللقاء في
 جزء آخر في شهر مارس المقبل بإذن الله.

شارك برأيك